بقلم / ياسين التميمي :

هذا هو العيد السادس الذي لم يعدْ على اليمنيين بالفرحة، ولم يعودوا يترقبونه إلا من حيث كونه موعداً شديد الوطأة عليهم وعلى أسرهم.

الأمر يتعلق بالانحدار الشديد لمداخيل اليمنيين، الذي وصل حد العدم تقريباً نتيجة توقف الحكومة الشرعية في عدن عن صرف المرتبات لمعظم موظفي الجهاز الإداري للدولة خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الانقلابيين، وتوقف الانقلابيون من جهتهم عن صرف المرتبات في نطاق سيطرتهم.

أكثر المناطق تضرراً من هذا العبث الذي يشترك التحالف العربي في صنعه هي محافظة تعز، التي بدأ موظفوها اعتصاماً في ساحة الحرية بمدينة تعز، التي منها أسقطوا المخلوع صالح، لأن حكومة بن دغر لم تف بوعدها ولم تصرف لهم مرتباتهم.

هناك فيتو على ما يبدو من جانب التحالف على صرف المرتبات لموظفي تعز، وقد حملت تصريحات بن دغر خلال لقائه السبت قادة التحالف العربي إشارات تؤكد على ذلك، حينما أكد لهم أن «صرف مرتبات العسكريين والأمنيين والمدنيين بانتظام يوفر مزيداً من الاستقرار في حياة المواطن ويوفر بيئة رافضة للإرهاب الذي يستدعيه العوز والفقر».

ليس هناك من إشارة أوضح من هذه لتأكيد أن التحالف هو من يعيق الحكومة عن القيام بدورها تجاه مواطنيها وخصوصاً ما يتعلق بالرواتب.

أعود بكم إلى محافظة تعز الواقعة في الجنوب الغربي لليمن، والتي تطل على مضيق باب المندب وتشرف عليه إدارياً، هذه المحافظة تضم أكبر كتلة سكانية في البلاد، وهي لذلك مركز ثقل ديموغرافي مهم ويتمتع سكانها بالديناميكية السياسية، ويقومون بتغطية نسبة كبيرة من احتياجات البلاد إلى المهارات التقنية والإبداعية.

أشعر ومعي الكثيرون أن تعز تتعرض لعقاب شامل ولا أخلاقي، ليس فقط من جانب الحوثيين والمخلوع صالح، وإنما أيضاً من جانب التحالف العربي، ويُعزى ذلك إلى الدور المحوري الذي أدته تعز إبان ثورة الحادي عشر من شباط/فبراير 2011.

للأسف الإحساس بوطأة البؤس يتسع بشكل كبير في الخريطة الجغرافية والاجتماعية لمحافظة تعز، فلم يعد الريف ملاذا آمناً في هذه المحافظة التي تشهد حربا متواصلة وتُستهدف بالإهمال والخذلان المتعمدين وتتعرض لمؤامرة خطيرة أحد أطرافها التحالف العربي وبالتحديد أبوظبي.

كان ريف هذه المحافظة يتحول إلى مهرجان مفتوح، لأن معظم سكان المدن الذين ينحدرون من هذه المحافظة وهم كثر، كانوا يفضلون قضاء إجازة العيد في قراهم، وعشرات الآلاف منهم كانوا يأتون من بلدان المهجر المجاورة والبعيدة.

اليوم تتكرس مظاهر الفقر والقلق والخوف في ريف محافظة تعز من القذائف الطائشة التي يرسلها الانقلابيون، ومن الضربات الخاطئة أو المقصودة أحياناً من طيران التحالف، فالأهداف التي تحدد لهذه الطائرات لا تخضع للاعتبارات العسكرية المحضة فقط، بل تتحول أحياناً إلى إحداثيات أيديولوجية لها علاقة مباشرة بالأجندة السياسية للثنائي المهيمن في أبوظبي والرياض، حيث يجري ربط أهداف الحرب بنزعة ترامب المحرضة على الكراهية لدوافع أيديولوجية.

إن دول التحالف التي تبالغ اليوم في تمييز نفسها عن محيطها العربي، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التفكير بمزايا استثمار الديموغرافيا اليمنية، في إعادة التوازن الهش الذي يختل في بلدانها لصالح مذاهب وديانات وإثنيات آتية من خارج الجزيرة العربية والخليج.

ولست أفهم لماذا يجري التفريط بتعز، بهذا الشكل الذي لا يكاد يصدقه عقل، ولماذا هذا الإصرار على تسليم تعز إلى القتلة وسوقها إلى مذبح الحرب كما نرى اليوم.

كانت قطر على حد علمي قد تكفلت بدعم تعز بمشاريع خدمية مهمة في القطاع الطبي، وكان من المقرر أن تنهض بمهمة إعادة تأهيل تعز بعد الحرب، لكن أبوظبي دفعت باتجاه إخراج قطر من المعادلة اليمنية بشكل نهائي، لكي يخلو لها الجو لإنجاز مشروعها الكارثي في تفكيك اليمن، وإعادة توظيف الموقع الجيوسياسي لليمن وفق تصور أبوظبي الكارثي الذي ينفصل بشكل كلي عن المعطيات التاريخية والروابط الاجتماعية والمصير المشترك، ويذهب بعيداً في ترتيبات تكرس دورها كممول سيئ للمشاريع الغربية.

لم يهنأ اليمنيون وبالأخص سكان محافظة تعز بعيد الأضحى المبارك، وحيل بينهم وبين حقهم في الحصول على المرتبات التي كان يفترض أن تُقيلَ جانباً يسيراً من عثراتهم، وها هم يواجهون قدرهم في ظل ممارسات حليف يتصرف بحقد العدو وخساسة الموتور.

نقلا عن موقع «عربي 21»