بقلم : توجان فيصل(كاتبة أردنية) ..
أتفهم تماماً مشاعر من يرفضون فكرة «الدولة الواحدة» الرافضين لما يسمّى حل الدولتين، أي القائلين بتحرير فلسطين من النهر للبحر. فهذا مطلب محقّ لكون كل ما احتل من أرض فلسطينية، بدءاً بأول كيبوتس أقيم لأول دفعة يهود صهاينة، كان احتلالاً غير مشروع وبنية بل وبمخططات توسيعه ليشمل كامل فلسطين.

ولهذا فمن حق الفلسطيني المهجر من بلده، أو المضطهد لكونه أصرّ على البقاء فيها، أن يطالب بحقه التاريخي والشرعي بكل الأوجه، بكامل وطنه. فالحق البيّن هنا غير قابل للنقاش. وبالمقابل عند زعم أي حق لليهود في فلسطين، لا تجدي مع أمثالي أية رواية لاهوتية مختلقة وتحرّف حسب اللزوم، توضع لخدمة أغراض دنيوية سياسية.

ولكن ما أناقشه هنا هو أمر سياسي، والسياسة هي فن الممكن. ومسار القضية الفلسطينية، منذ استخلاص الصهاينة لوعد بلفور، للاستيطان في فلسطين، للحروب الإبادية - التهجيرية التي شنّت على أهلها، للاتفاقيات التي أبرمت سراً بداية ثم علناً مع أنظمة عربيّة، للخداع الذي ضمّن في هذه الاتفاقيات (وانقلبت كلها كارثياً على كل من قبلوها أو سعوا لها)، للقرارات الدوليّة التي استصدرت والفيتوهات التي منعت إصدار غيرها التي تدين خرق إسرائيل للشرعيّة الدوليّة بل وخرق ذات ما قدم كسند لقيام دولة إسرائيل والاعتراف الدولي بها.. ووصولاً لتفاصيل ما يسمّى زوراً مفاوضات مع ما يسمّى سلطة فلسطينية ومع كل من يدعون أو يجلبون للمشاركة فيها.

وهذه كلها تم ترتيبها وجدولتها لاستغلال ظرف سياسي محلي لو إقليمياً أو دولياً - طارئ أو متوقع أو مرتب لحدوثه في ليل - لجعل الخطوة التالية في المخطط الصهيوني الهادف لسيطرة الكيان إقليمياً ودولياً، قابلة للتطبيق. وهذه كلها قرارات «سياسيّة» تحسن استغلال المرحلة والظرف لتبني عليه ظرفاً آخر ومرحلة تالية.

وإذا كان ضم القدس المحتلة وإصدار «قانون القومية»، جاءا صادمين للبعض، فنحن لسنا من ذلك البعض. ولكن لسنا في هذا وحدنا، فهنالك آخرون ممن وظفوا لاحتواء نتائج هذه القرارات لم يصدمهم صدورها حتماً. واللافت أن إسرائيل أقل الجميع عناية بإخفاء نواياها.

ويكفي للدلالة على هذا إيراد مثالين: إعلان إسرائيل المكرّر منذ إقامة الكيان الإسرائيلي أن «القدس الموحدة بكاملها هي العاصمة الأبديّة لدولة إسرائيل»، وإعلانها نصاً صريحاً في قانون القوميّة يدعو «لتشجيع الاستيطان»، وليس لفكّ أية مستوطنة كما يزعم من عينتهم إسرائيل مفاوضين لها مدى الحياة.. و»مدى الحياة» تحدّده إسرائيل، والدليل (والعبرة لمن يعتبر) يتجلى في نهاية ياسر عرفات وغيره ممن سعى أو تم جرّ رجله للبحث عن السلام مع إسرائيل. ونهايات هؤلاء «جميعاً» يجب أن تنذر «من ينتظر».

في ميزان «الشرعيّة»، إسرائيل خاسرة بل ومكشوفة ومفضوحة تحديداً في شأن ما تفعله بالفلسطينيين. ورابحة جزئياً فقط لدى من يصدّقون الأساطير الإسرائيلية، خاصة مسيحيي الغرب من الطوائف التي اخترقتها الصهيونية. ولكن حتى زعم أن فلسطين أرض اليهود الموعودين بالعودة لها لا يتعارض في الفكر العالمي الكاسح لحق قاطني أي بلد في العالم المتحضّر، نزولاً لجيل أو جيلين أحياناً، بالعيش فيها مواطنين آمنين وبحقوق متساوية.. فكيف بأهل فلسطين الذين سكنوها متواصلين منذ أقدم ما وثق من تاريخها؟!

نحن مع هذا الحق الشرعي التاريخي والإنساني للفلسطينيين في فلسطين من النهر للبحر. ولكن وسيلة تحقيقه، كما وسيلة احتلاله وسرقته، تظلّ «سياسية». ولو كانت هنالك فعلاً محاكم دوليّة محايدة تنظر قضايا الحقوق وتملك ضابطة عدليّة قادرة على تنفيذ أحكامها، لدفعنا لديها بكل ما سبق. لكن الحقيقة هي أن من ينظرون القضية الفلسطينية هم جميعاً «ساسة»، خيارهم وأشرارهم.

 والميزة الوحيدة لأصحاب الحق هنا أن الساسة في العالم الغربي الديمقراطي يرضخون (ولو نفعياً) لرأي، ناهيك عن ضغوط شعوبهم. وشعوبهم باتت تعرف الكثير من الحقائق بعد تعويم الإعلام بفضل تكنولوجيا الاتصالات. وهذه الشعوب ستقف حتماً بأعداد وضغوط غير مسبوقة في حال طرح الفلسطينيين لحل «الدولة الواحدة» في كامل فلسطين التاريخيّة لكل سكانها بحقوق متساوية بلا تمييز عرقي أو ديني. وهذا سيتضمن بداهة حق العودة لمن هجروا منها قسراً.

وهو حل ليس مستجداً، بل هو ذات الحل الذي حققه نيلسون مانديلا في تصديه لحكم «أبارتايد» مشابه. ولأن الأم الحقيقية والابن الشرعي للبلاد، هما غير المنتحل النفعي لأي من الصفتين فإن المستوطن الطامع بالامتيازات الجرميّة سيرحل وحده، والابن الشرعي البارّ سيعود لوطنه.. وتعود فلسطين فلسطينية عربية في غالبيتها خلال بضعة عقود. وهذا ما لا ولن تحققه أي من الحلول الأخرى المطروحة الآن، وأسوأها حل الدولتين.

ولضيق مساحة المقال، أحيل القرّاء المهتمين للبحث على جوجل عن ثلاث مقالات لي كلها بعنوان «الدولة الواحدة» وعنوان «البحث عن حلول غير مجدية» نشرت في السنوات الأخيرة على موقع «الجزيرة نت» وتزخر بالوثائق والحقائق المُنيرة لحل «الدول الواحدة». أما شرور وألغام ما يسمّى بحل الدولتين فهي جليّة.. بدءاً بالتنازل عن 90 % من فلسطين، وتنازلات سياديّة ودينيّة عما تبقى لـ «يعاد اجتياحه» كالعادة بعد حين!