بقلم : أ.د. عمر بن قينه (كاتب جزائري) ..
عنوان هذه الكلمة تفصيلاً: شعراء (البلاطات) في الحياة السياسيّة والثقافية هم الوجه القذر في الشعر العربي قديماً وحديثاً. حكم خرجت به من قراءاتي في هذا الشعر العربي، في قلبه (شعر البلاطات) الذي هو صورة للهوان البشري، وقد بات الشاعر نابحاً في القصور، شحّاتاً تنقله خطاه حسب أطماعه من باب إلى آخر! فيمدّ يديه (مُمَدَّدتين) على الأعتاب، صَغَاراً لا يليق بالنفس البشريّة التي كرّمها الله، فجعل العفّة زينتها، والزهد فيما بأيدي الناس صفتها.

منذ بدأت أقرأ هذا النوع في عزّ شبابي شرع الضيق به يتمكّن من نفسي، دقّ الموقف وأنا أتفحّص روح النفاق الانتهازية التّكسّبية فيه، في السعي المحموم للتقرّب والحظوة والوجاهة، يختلف عنه نوع صادق من شعر المدح الذي هو لون جميل في مدح المواقف الإنسانيّة والثناء على شهامة رجال دون أغراض مادية، لمواقف وآراء، وتضحيات بالنفس والمال والجهد في خير المجتمعات والأوطان.

 فهو الشعر النبيل، الشاعر صاحب قضية إنسانية، كما كان شعراء الإسلام الجادون، في مقدّمتهم (حسّان بن ثابت) أولئك لم يكونوا ذوي أغراض دنيويّة، بحثاً عن منصب أو مال أو شهرة مزيّفة، تجعل الشاعر عبداً ذليلاً يتمسّح بذوي سلطة وتسلّط أو مرعوباً عند التقصّي أو(الخيانة)، يعصف به وعيد صاحبه الحاكم، لتقصيره أو لإعراض سيده عنه، كحال عَلَم الشعر الجاهلي (النابغة الذبياني:ت604م) الذي بكّر بطرق أبواب (ملوك الحيرة) عبيد (الأكاسرة الفرس) ابتداءً (بعمرو بن هند 570م) سرعان ما صار (المقيم الدائم) في (البلاط)، خصوصاً في عهد الملك عميل الأكاسرة الذليل (أبي قابوس: النعمان بن المنذر) بعد اعتلائه (عرش الحيرة) فقال فيه (النابغة):

إنك شمس والملوك كواكب
إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب!

ساهياً عن كون هذا الكوكب ليس سوى آلة في أيدي (الأكاسرة) لكن الأنباء أكّدت لهذه (الشمس): أن (النابغة) لم يبخل كشاعر (بلاطات) انتهازي في المدح (ببلاط الغساسنة) الأعداء (عملاء القياصرة) الروم؛ فغضب عليه، للخيانة؛ فراح الفزع يعصف بالرجل! فلم يقرّ له قرار، مصوّراً حاله، محاولاً إبعاد التهمة المؤكدة، كأن سُمّ (أفعى) يسري في أرجاء جسمه:

فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة
من الرّقش في أرجائها السّمّ ناقع!
حتى بات الرجل واثقاً من الهلاك، فضاقت به أرض الله الواسعة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وإن خلت أن المنتأى عنه واسع

صورة حيّة للذلّة والمهانة، شعراء بلاطات منافقون، هم أبداً «في كل وادٍ يهيمون» سمتهم (الغطرسة) أمام الناس (الذلة) حتى السجود أمام أولياء نِعمهم.

هنا بذور (الذلة) و(المهانة) الإنسانية، في الشعر العربي، لا نلتفت إليها مع (الأقزام) الذين نشأوا عبيداً، لكن الإحساس بالأذى يكبر حين نرى هذه (العبودية) تسكن أمثال (المتنبي:303-354هـ915-965م) الذي لم (يعفّ) حتى في طرق أبواب (العبيد) كحاله مع عبد صار سيد مصر (كافور الإخشيدي) فشدّ الرحال إليه، لكنّه صدّه بعنف! صفعة يستحقّها! ماذا تنتظر من (عبد)؟ لهذا توجّع شاكياً، فكان عليه أن يبدأ بنصح نفسه قبل قارئه:

لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيد
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن
يسيء لي فيه عبد وهو محمود!

هي حال معظم الشعراء، يتحوّل الشعر لديهم: من أداة لقضية وريشة أنيقة إلى جسر لمآرب؛ فيستحيل (الشاعر) عبداً ذليلاً.

بدأ هذا من الجاهلية وتوطد في عصرنا الذي نسمّيه (حديثاً) الذي لوّثه (الشعراء) بمن فيهم أميرهم (أحمد شوقي:1868-1932) الذي حمل صفة (الإمارة) التي لم يَرْق لها شعرُه الذي استهلكه المديح المبتذل والمراثي المجترّة والتهاني الباردة والنسيب والخمر ونحوها، مما كان طابعه الظرفية والسطحية التي تجعل الموضوع يموت في يومه، من دون وظيفة قومية أو اجتماعية أو بعد إنساني يخلد بالنص الشعري، ويخلد هذا به إلا نادراً!

ديوان (الشوقيات) بجزءيه ركام من المستهلك، طابع (بلاطياته) التملق والمبالغة الرخيصة، بدءاً ببلاط (الملك فؤاد):

ما زلت تذهب في السموّ بركنه
حتى تجاوز ركنه الجوزاء

بنفس (الركاكة) يبارك رحلة (الخديوي عباس) إلى الحج:

إلى (عرفات) الله يا ابن محمد
عليك سلام الله في عرفات

التكلف البارد، يّغيِّب حرارة الكلمة وألق الصورة تحت (حوافر) هؤلاء المتزلفين في شعرنا العربي الذي بقي دون النهوض برسالته القوميّة بفعل هؤلاء المنافقين!
  
E-Mail: beng.33@hotmail.com