تنصل من القانون الأردني والتزاماته في عمّان

من يبتز الآخر.. الأردن وفلسطين أم ثيوفيلوس

 

عمّان - أسعد العزوني: قال أمين سر الجمعية العربية الأرثوذكسية المحامي شكري العابودي أنه لم يتفاجأ باعتراف الحكومة الاسرائيلية بالبطريرك ثيوفيلوس الثالث إذ كان قد سبق ومنذ ما يزيد علي العام أن قال إن الاعتراف بثيوفيلوس من قبل إسرائيل هي مسألة وقت معلق علي شرط، هذا الشرط هو من يعطيها أكثر.

 أرينيوس أم ثيوفيلوس. وعليه فإن الأرجحية قد تحققت لما قدمه ثيوفيلوس لها وبشكل واضح وجلي وصريح وفق ما جاء علي لسانه وعلي لسان محامييه راناتو ورامي مغربي وذلك أمام اللجنة الوزارية يوم الأحد 28/10/2007 وفق محضر الجلسة المذكورة وذلك علي النحو التالي:

1- باستعراض عام للمحضر المذكور والذي لخصه رئيس اللجنة الوزير بار اون في بحثه أين تكمن مصلحة إسرائيل وقد تجلي ذلك في مجموعة استجواباته للبطريرك ثيوفيلوس عن تعهداته التي قطعها للحكومتين الأردنية والفلسطينية وعن أي قانون يطبق وعن حقيقة إتمام الصفقات المشبوهة التي تّم عقدها. أقول إن هذا الموقف دلل وبشكل واضح وصريح بأي اتجاه كان الموقف الإسرائيلي ولا زال وسيبقي لسياسة قضم الأراضي والاستيلاء عليها والتبعية لها ليأخذ مناحي ثلاثة.

المنحي الأول: هو تغيير الطابع الجغرافي والديمغرافي للقدس من خلال التنازل عن الصفقات وأهمها باب الخليل وأشير بهذا الصدد إلي ما قاله محامي ثيوفيلوس أمام اللجنة (راناتو):

في غياب الاعتراف به لا يمكن استكمال الصفقات بما في ذلك الصفقات التي عقدت حول عقارات من مختلف الأوساط .

وقول محاميه رامي مغربي:

فإن: البطريركية عقدت دائماً صفقات عقارية مع الدولة ولذلك فعلي الدولة أن تفحص ما إذا كان الاعتراف بثيوفيلوس يتعارض مع مصالحها........ ويضيف بأن هنالك ثلاث صفقات عقارية لا يمكن استكمالها بسبب غياب الاعتراف بثيوفيلوس ....... ويضيف أن لديه وثائق يمكن أن نثبت من خلالها أن ارينيوس وعد بتنفيذ صفقات عقارية مع الدولة لكنه لم يفِ بتعهداته وبالمقابل فإن ثيوفيلوس مخلص للأشياء وهو لم يتعهد بشيء لأحد (المقصود التعهد للحكومة الأردنية والفلسطينية) ومع ذلك فإن البطريركية مستعدة لعقد صفقات مع الدولة تبرم بشكل علني .

وقول ثيوفيلوس نفسه: إن تاريخ هذه البطريركية مربوط بهذه البلاد وبدولة إسرائيل ، ويضيف أن ارينيوس أدار شؤون البطريركية بشكل فاشل ولذلك تمت إقالته .

ويضيف رامي المغربي: رداً علي أسئلة بار اون بحضور ثيوفيلوس بأن الالتزام شمل أيضا التعهد بإبطال جميع الصفقات التي أبرمها ارينويس، ويستطرد برده علي سؤال آخر للوزير بار اون أيعني إبطال الصفقات العقارية التي أبرمت مع يهود.

أجاب المغربي بأنه.. لم يوجد ذكر شيء في هذا النص.

هذا العنوان الأول والهم الأول في هذا المحور الأول لاهتمامات الحكومة الإسرائيلية بتغيير الخرائط الجغرافية والديمغرافية في القدس وسيطرتها علي الأراضي والأوقاف.

والموضوع هنا ليس تلميحاً بل تصريح علي لسان طرفي المعادلة (حكومة إسرائيل وثيوفيلوس) فالتصريح واضح كل الوضوح بوجود ثلاث صفقات والبقية تأتي ومن هنا يفهم سر من أسرار ثيوفيلوس علي عدم متابعة قضية باب الخليل وتكتمه علي ما يعقد من صفقات، فقد أعطاهم ما يريدون مقابل ثمن بخس آلا وهو الاعتراف به وكأني أري التاريخ يعيد نفسه قبل ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين عاماً عندما سُلم ملك المجد لليهود بثمن بخس أيضاً.

المحور الثاني: البعد الدولي: وكما سبق لي وقبل سنتين وفي مقالين بعنوان المستفيد الأول والمستفيد الثاني إن قلت أن المستفيد الأول هو إسرائيل بسيطرتها علي الأرض والمقدسات خدمة لأغراضها، أما اليوم فإنه وعلي لسان مندوب وزارة الخارجية الإسرائيلية في اللجنة فإنه قد صرح أن وزيرة الخارجية اليونانية اتصلت مع وزيرة الخارجية تسيفي ليفني وأعربت لها عن أملها بأن تعترف حكومة إسرائيل بثيوفيلوس وما جري تداوله عبر الصحافة من أن كوندليزا رايس قد طلبت من حكومة إسرائيل الاعتراف بثيوفيلوس.

هذا من جهة يسلط الضوء علي الاهتمام الدولي برعاية مصالح إسرائيل والضرب بعرض الحائط مصالح هذه الدول مع العرب وخصوصاً الحكومة الأردنية والسلطة الوطنية الفلسطينية.

أما الجهة الأخري من البعد الدولي: فهو ما صرح به ثيوفيلوس أمام اللجنة بأنه توجد التزامات لا تستطيع البطريركية الإيفاء بها بغياب الاعتراف به والأمور تتعلق بقضايا خارج حكومة إسرائيل .

والأخطر من ذلك علي مستوي البعد الدولي إقراره (أي ثيوفيلوس) أمام اللجنة بأن القانون الأردني لا يسري علي القدس وأنه أخذ هذا الموقف بتوقيع التعهد لقبول القانون الأردني كوسيلة لدفع الإجراءات الانتخابية لمنصب البطريرك.

إن هذا القول يجافي الحقائق القانونية والتاريخية واتفاقية جنيف وقرار مجلس الأمن رقم 242 واتفاقية فك الارتباط وقانون العاصمة رقم (4) لسنة (2002) الصادر فلسطينياً بعد إقراره من المجلس التشريعي باعتبار القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وباعتبار السيادة علي القدس الشريف والأماكن المقدسة فيها للسلطة الفلسطينية، والقاضي أيضا ببطلان أي اتفاق ينتقص من الحق الفلسطيني في القدس الشريف أو يخالف أحكام هذا القانون.

إن القراءة المتمعنة لهذا الموقف الخطير من ثيوفيلوس تصبَ في خانة نزع عروبة القدس أي ارتباط للقدس الشريف ومحيطها العربي المسيحي والإسلامي وبحقيقة كونها عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة وبحقيقة كونها جزءاً لا يتجزأ وأساسيا في الصراع العربي الإسرائيلي وتسهيلاً لمهمة حكومة إسرائيل في تهويدها وسلخها عن نسيجها الوطني الفلسطيني وأن هذا البعد لم يأت عبثاً وإنما جاء في سلسلة الاتفاقات الدولية وهذا التفسير الأبسط للتدخلات اليونانية الأمريكية في الاعتراف بثيوفيلوس وأن هذا المحور الدولي هو استكمال للمحور الأول للطمع وللإستراتيجية الإسرائيلية وأن هذا الإقرار من ثيوفيلوس هو من العلامات الخطيرة علي إثر هذه الصفقة بينه وبين حكومة إسرائيل.

المحور الثالث: وهو مكمل للمحورين الأول والثاني والمتمثل فيما صرح به ثيوفيلوس ومحامييه وتكريسه من قبل اللجنة الوزارية من أن البطريركية هي إدارة ذاتية دينية ويجب احترامها وهو ما صرح به المحامي ريناتو في الجلسة المذكورة.

إن هذا التصريح جّد خطير وقد سبق أن جري التحذير به من قبلي سواء في عمان (أي في مؤتمر عمان) أو في مواقف أخري في رام الله وبيت ساحور من أن النية متجهة علي اعتبار البطريركية كياناً ذاتياً كما لوأنها شركة مساهمة خصوصية تدار من قبل مجلس إدارة يرأسها رئيس مجلس الإدارة وهو البطريرك مما يتأسس عليه أن القرارات في هذه المؤسسة هو كما الحال مع الشركات ترسمها الجمعية العامة (أي أخوية القبر المقدس) وينفذها مجلس الإدارة (أي المجمع المقدس) ويمثلها رئيس مجلس الإدارة (أي البطريرك) وهذا هو السبب الجدي والجوهري إضافة إلي ما ذكر من أسباب من أن القانون الإسرائيلي هو السائد في القدس وهذا يشكل حماية لهذا التوجه الجديد من البطريركية والحكومة الإسرائيلية هذا أولاً.

والثانية: ليس عبثاً القول من أن قانون رقم (27) لسنة (58) لا ينطبق ولا يحكم أعمال البطريركية وفي هذا إلغاء لقانون ما زال ساري المفعول والتنكر لأحكامه يصب في خدمة الأهداف المشار إليها آنفا ويصب في خدمة تهويد المدينة المقدسة ويصب في خدمة المشاريع الإسرائيلية بكل ما يعني ذلك من كلمة إذ بمنتهي البساطة علي المواطن الفلسطيني العربي الأرثوذكسي تفعيل مفاعيل القوانين الإسرائيلية أن تطبق عليه أحكام القوانين الإسرائيلية في الميراث والنفقة والزواج فضلاً عن إطلاق يده أي البطريرك في البيع والتنازل عن هذه الأوقاف وخير دليل علي ذلك قول رامي مغربي: (أن البطريركية مستعدة لعقد صفقات مع الدولة الإسرائيلية).

وثالثا: أن من شأن اعتبار هذه الإدارة الذاتية (الشركة) نفي صفة الملكية الوقفية والامتداد التاريخي للحقوق العربية في هذه الأوقاف وبالتالي يسهل بيعها.

كما أن من علامات هذه الجلسة التي وصفت بأنها انتصار لثيوفيلوس هي انتصار لإسرائيل فقد حققت من خلالها ما تصبو إليه:

أولاً: بالتنكر للحقوق القانونية الفلسطينية علي البطريركية والبطريرك والأوقاف.

ثانياً: التنكر والتنصل من التزامات القانون رقم (27) لسنة (58) وبالتالي لم يعد للحكومة الأردنية من شأن في هذا الموضوع.

ثالثاً: إلغاء اتفاقيات أوسلو لصالح إسرائيل التي أقرت فيها إسرائيل أن موضوع القدس والسيادة عليها شأن يبحث ضمن مفاوضات الحل النهائي فهي بذلك تستبق عاملا مهما من عوامل الحل في القدس.

رابعاً: وأهمها التأكيد علي انتصارها في قضية الصفقات من خلال الإجهاز علي قدسية الأوقاف إلي جانب إنجازها المتميز علي صفقة باب الخليل التي دفع فيها الرئيس الراحل أبو عمار حياته ثمناً بعدم تنازله عن باب الخليل وحارة الأرمن.

وخامساً: إطلاق يد المستوطنين وثيوفيلوس في العبث في هذه الأوقاف وبيعها والتصرف بها إلي الحد الذي يرغب فيه حيث بلغت الجرأة في رامي المغربي أن يقول: إننا سنعقد صفقات مع دولة إسرائيل وبشكل علني .

2- الخطير في هذه التصريحات هو مسألة الابتزاز... فمن يبتز من؟

يقول ثيوفيلوس إنه قد وقّع تعهداً للحكومتين الأردنية والفلسطينية عندما كان مطراناً ليصار إلي انتخابه ويقول ثيوفيلوس أيضا إن ارينيوس فشل في إدارة البطريركية ولذلك تمت إقالته (أي ليس بسبب البيع) ويقول إنه قد جري ابتزازه من قبل عنصر أردني أجبره علي توقيع وثيقة ذات طابع شخصي.... وأن تلك الوثيقة ليست معه الآن وأن تلك كانت محاولة ابتزاز.

أولاً: لم يقل لنا ثيوفيلوس ما هي تلك الوثيقة وما هي ماهيتها وعن أي شيء تتحدث.

ثانياً: ما هو نوع هذا الابتزاز الذي تّم ابتزازه به، هل هو ابتزاز شخصي أم لمصلحة عامة؟.

ثالثاً: ولماذا نعلم اليوم أنه كان وقع ضحية ابتزاز مزعوم.

رابعاً: وما هي الضمانة أن لا يُبتز ثيوفيلوس ثانياً.. وثالثاً... ورابعاً.

خامساً: من يعلم ما الذي ابتز به من قبل حكومة إسرائيل حتي يتنصل من كافة التزاماته التي وقع عليها.

ونسأل... من ابتز من؟ هذا العنصر الأردني أم ثيوفيلوس الذي يقول نعم وقعت التعهد (كوسيلة لدفع إجراءات انتخاب البطريرك).

أسئلة إجاباتها واضحة وشافية لمن يريد أن يسمع ويقرأ.

ونسأل ثيوفيلوس ألم تلتزم مجدداً بعد انتخابك بطريركاً وعلي إثر مؤتمر عمان للحكومة الأردنية بأنك ستطبق قانون (27) لسنة (58) وتفعل المجلس المختلط أم أنك كنت مبتزاً أيضاً!.

ونسأل أيضاً ألم تلتزم اللجنة الرئاسية الفلسطينية بعد مؤتمر عمان في شهر أيار من عام 2007 بتفعيل القانون (27) لسنة (58) و أن تقف بوجه كافة الصفقات، أم أيضاً خضعت للابتزاز!.

هل خضعت للابتزاز بمعاقبتك الكهنة العرب وحرمانهم من رواتبهم وتنزيل رتبهم؟

3- الرعية العربية الأرثوذكسية:

والخطير في كل ما جري في هذه اللجنة أنه لا ذكر ولا وجود لأبناء الرعية العرب الأرثوذكس بل لم نجد كلمة واحدة تشير إلي وجودهم أو دورهم مع أنهم الحاضر الغائب، فأي خطاب هو خطاب المصالح بين دولة إسرائيل والبطريرك اليوناني، كما يسمي، وعند ذكر محاولة الابتزاز لم يكلف ثيوفيلوس خاطره بأن يشير علي من ابتزه كما يزعم بقوله عنصر أردني فتنصله من القانون الأردني وتنصله من التزاماته إلي جانب تكرار تنكره وتنكر بعض رجال الكنيسة من اليونانيين للحق العربي وللقوانين السارية والمتعارف عليها ماذا يمكن أن يسمي؟

أما أن يشار لأي حق من حقوق الرعية العرب فهذا من المحرمات، بل أكثر من ذلك فإن محاميه قد صّرح أن أوساطا في الوسط العربي هددت بالانتقال لتأييد ايرنيوس (وأن غياب هذا الاعتراف لا يمكّن استكمال الصفقات)... هذا فضلاً عن تصريحات ثيوفيلوس المتكررة بأن همه هو أن يتم الاعتراف به... وأن علي أبناء الرعية العرب أن يتوقفوا عن مطالبته بوقف البيوعات.

وطالب المحامي العابودي العرب بأن يقفوا وقفة جادة في وجه من يبيع كائناً من يكون اسم هذا البطريرك وأن ننتصر لأوقافنا وحقوقنا التاريخية وهويتنا الوطنية وأخذ العبرة من تنكر ثيوفلوس لتعهداته، بل وأكثر من ذلك في عدم صدقه والمواقف التي أعلنها وآخرها محل هذه الدراسة، وأنني من خلال هذه الدراسة أدعو إلي وقفة جادة من قبل أبناء الرعية انتصاراً لحقوقهم إذ قد بلغ السيل الزبي في تجاوز هذه الحقوق والتنكر لها كما أدعو الحكومتين الأردنية والفلسطينية لأخذ الموقف الحازم والقاطع انتصاراً لقضيتها الوطنية ولأبناء شعبها في مواجهة هذا المخطط الذي يحيق بها وبأوقافها وسيادتها وعدم القبول بأية تسويفات أو مماطلات أو تأجيلات.