العملية بدأت مهمة عادية للبحث لكنها انتهت بمجزرة تاريخية

الوحيد الذي تمت محاكمته وأدين بارتكاب مجزرة هو قائد الفصيل

قسوتها ومحاكمة قادة قليلين من الوحدة جعلها مقترنة بالحرب

ترجمة - كريم المالكي:

في 16 مارس 1968، قاد الضابط الأمريكي أرنست ميدينا سرية المشاة التي تحت إمرته في هجوم على قرية سون ماي، في جنوب فيتنام، كجزء من مهمة للقضاء على كتيبة تابعة لجبهة التحرير الوطني (وحدات الفيتكونغ) وتدميرها، حيث كانت متواجدة في إحدى القرى الصغيرة في قرية تسمى ماي لاي. وخطط الكابتن ميدينا، على افتراض أن القرويين في ماي لاي سيكونون في ذلك الوقت في السوق، ما يساعد على اجتياح المنطقة، وأمر رجاله بتدمير كل شيء وقتل أي أحد يقاومهم. وبحلول نهاية اليوم، قتلت القوات الأمريكية ما بين 347 إلى 504 من نساء وأطفال وشيوخ فيتناميين غير مسلحين، واغتصبت 20 امرأة وفتاة، بعضهن لا تتجاوز العاشرة لتصنف تلك المجزرة من أبشع جرائم الحرب في التاريخ المعاصر حيث أثارت الصور التي التقطت موجة استنكار عالمية.

لم تكن مذبحة ماي لاي الوحيدة التي ارتكبها الجنود الأمريكيون في جرائم حرب ضد المدنيين الفيتناميين، بل إنها أسوأ مثال على ذلك. وأصبحت قسوتها وتغطيتها والمحاكمة النهائية لعدد ضئيل من قادة الوحدة مرادفاً للحرب الأمريكية كلها في فيتنام. ولكن في الوقت الذي غالباً ما يتم تصوير المجزرة على أنها ارتكبت من قبل وحدة من غير الأسوياء، فإن السبب هو الفشل في القيادة، من قبل قائد الفرقة الميجور جنرال صمويل كوستر الذي كان يتبعها الكابتن ميدينا، إلى قائد الفصيل الأكثر تورطا بالقتل، الملازم الثاني ويليام كايلي.

بدأت الكارثة في ماي لاي حتى قبل وصول سرية كابتن ميدينا في صباح 16 مارس. لقد وصلت السرية تشارلي، من الكتيبة الأولى، من فوج المشاة العشرين إلى فيتنام عام 1967. وحينما كانت في هاواي، حصلت على درجات عالية من الجاهزية والتدريب. لكن الوحدة تجمعت مع بعضها على عجل، واضطر العديد من الضباط ذوي الخبرة وضباط الصف، إلى نقلهم من الوحدة أثناء استعدادهم للنشر لأن قوانين الجيش منعتهم من العودة للقتال بسرعة.

الكره والحقد

وكانت النتيجة أن الجنود الأوائل والجنود غير المجربين، والمتدربين من ذوي الرتب الأدنى، تم دفعهم فجأة إلى أدوار قيادية. وشهد الكابتن ميدينا في وقت لاحق أن هذه التحويلات كلفت السرية 70 % من قوتها.

إحصائياً، كانت سرية تشارلي أعلى بقليل من المعدل بين سرايا المشاة التي تخدم في جنوب شرق آسيا خلال الحرب. لقد تخرج 87% من المتبقين من ضباط الصف من المدرسة الثانوية، وهو معدل أعلى بنسبة 20 % من معدل عدد سرايا المشاة. 70% من الرجال في صفوف المجندين الأدنى قد تخرجوا من المدرسة الثانوية، أيضا أعلى قليلاً من متوسط الجنود الذين يخدمون في فيتنام.

كانت الوحدة مختلطة ديموغرافياً، حيث كان نصف جنودها أمريكيين أفارقة، وجاء رجالها من مناطق مختلفة جغرافياً. وبخلاف الرجال عديمي الخبرة في المهام القيادية، وتجارب السرية التي سبقت «ماي لاي» ، ليس هناك ما يفسر سبب ارتكاب هذه المجموعة الخاصة من الجنود لأروع مجموعة من جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأمريكية خلال الصراع بأكمله.

بعد وقت قصير من انتشارها في فيتنام، بدأت سرية تشارلي بتكبد خسائر فادحة من الأفخاخ والقناصة. ونما بداخل الملازم كايلي كره وخوف من الفيتناميين بعد موت مشغل الجهاز اللاسلكي، ويليام ويبر، برصاصة قناص بينما كان يقود رجاله بلا مبالاة على قمة سد بين حقول الأرز لإبقائهم خارج الماء. بعد ذلك، أصبح جميع الفيتناميين سواء بالنسبة للملازم كايلي، وبسرعة تبنّت السرية مواقفه القاسية.

مسؤولية يتحملها القادة

وتحمل الكابتن ميدينا وضباطه مسؤولية إساءة معاملة سرية تشارلي ضد المدنيين الفيتناميين في الأسابيع التي سبقت المجزرة. بعد أن أطاح الجندي الأول هيربرت كارتر بمزارع فيتنامي غير مسلح في بئر، أطلق الملازم كايلي النار على رجل أعزل. وسمح الكابتن ميدينا لجنوده باستخدام الأسرى ككاشفي ألغام بشرية وكان شخصياً اعتدى على الأسرى أثناء الاستجواب.

وأصبح الاغتصاب مشكلة مستوطنة في السرية، حيث افترض أحد أفراد الفصيل الثاني، مايكل بيرنهاردت، أن كل امرأة يعثر عليها فصيل الملازم كايلي ستتعرض للاغتصاب في غضون لحظات، بعد مقتل الرقيب جورج كوكس بمصيدة مغفلين، سرق أحد الجنود الناجين راديو امرأة فيتنامية وركلها حتى الموت عندما احتجت عليه.

بداية الانتقام

مهدت وفاة الرقيب كوكس المسرح للمذبحة، في 15 مارس، عقدت السرية حفل تأبين ذكر الكابتن ميدينا عناصرها بخسائرهم، حيث فقدت نصف قوتها في شهرين فقط، وانخفض فصيل الملازم كايلي الأول إلى 27 من أصل 45 رجلاً.

وذكرهم بأن السرية لا تتحمل المزيد من الخسائر، لذا هم بحاجة للتكاتف والعدوانية تجاه العدو. بعد وقت قصير من مراسم الجنازة، أطلع الكابتن ميدينا السرية على مهمتها التالية: الهجوم على ماي لاي لتدمير بقايا وحدة الفيتكونغ الأكثر فتكا.

وأدى الإيجاز عن الهجوم على ماي لاي إلى اعتقاد العديد من مرؤوسي الكابتن ميدينا أن مهمتهم تتمثل بقتل الجميع في القرية، وإطلاق النار على الماشية، وتدمير الآبار، وتسوية المباني بالأرض، لأن كل من يعيشون في ماي لاي إما عضو بوحدات الفيتكونغ أو من المتعاطفين معها.

قال الكابتن مدينا لقواته إن هذه فرصتهم للانتقام لرفاقهم الذين سقطوا. وفي وقتٍ لاحق، ادعى البعض أن الكابتن ميدينا أمرهم بقتل الجميع. وزعمت معلوماتهم الاستخبارية أن جميع نساء وأطفال القرية سيكونون في السوق. وقد لخص إيجاز ما قبل الهجوم التالي، بأنه رغم أن النقيب ميدينا لم يقل اقتلوا كل من في القرية، لكن أفراد من السرية تحدثوا واعتقدوا أن الجميع في القرية سيقتلون.

بداية المجزرة

بدأت المذبحة كمهمة عادية أي بحث وتدمير سبقها وابل من قذائف مدفعية تستهدف حقول الأرز شمال غرب القرية في صبيحة يوم 16 مارس 1968. كان من المفترض أن تسقط قذائف الـ 105 ملليمترعلى بعد 400 متر من ماي لاي، لكن بعضها سقطت قرب المنازل. وكان هدف المدفعية مضايقة الفيتكونغ؛ لكن لم يكن هناك فييتكونغ في ماي لاي.

هبط فصيل الملازم كايلي، وجزء من الفصيل الثاني، بقيادة الملازم الثاني ستيفن بروكس، في ماي لاي بسرب المروحيات الأولى لتأمين منطقة الهبوط. ولم توجه نحوهم أي نيران معادية، لكن الرشقات المستمرة للرشاشات وإطلاق الصواريخ التي ترشها المروحيات على أقرب أكواخ أعطاهم الانطباع بأنهم يتعرضون للهجوم. وقاد الملازمان كايلي و بروكس رجالهما للقرية بعد أن جلبت مجموعة مروحيات ثانية بقية السرية.

وبالدخول إلى ماي لاي انفصلت الفصائل إلى مجموعات صغيرة من الجنود لم يتمكن ضباطهم من مراقبتها. وتحت ضغط من الكابتن ميدينا للتحرك بسرعة رجاله من خلال ماي لاي. وبعد أن تم تطويق قرية ماي لاي تم تجميع القرويين العزل وأمر الملازم كايلي بإضرام النار في بيوتهم وقتل كافة السكان، لاقى ما بين 300 و500 مدني مصرعهم في المجزرة.

إيقاف القتل

انتهت المجزرة عندما تدخل طاقم مروحية بسبب عمليات القتل التي رصدها، عندما هبط الجنود باتجاه مجموعة من القرويين يختبئون في مخبأ. وعندما غادر الطاقم المروحية ومواجهة الملازم الأول كايلي، الذي أخبره بأنه ليس من أعماله، وانتبه الكولونيل فرانك باركر إلى المذبحة، وأمر الكابتن ميدينا بوقف القتل.

وبدأ الكابتن ميدينا التستر بالزعم زورًا أن القرية كانت مليئة بالفعل بفيتكونغ عندما بدأ الهجوم، لكنهم فروا جميعا، ولم يبق سوى النساء والأطفال. وعندما سئل عن التفاوت بين ارتفاع عدد الجثث وانخفاض عدد الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها بدأ بتقديم تقاريره المزيفة إلى الجنرال كوستر والتستر لإخفاء المجزرة.

وبعد مرور عام على تلك الأحداث وفي مارس 1969 قام الجندي رينولد ريدنهاور ببعث رسائل إلى عدة شخصيات ومؤسسات رسمية مبلغا بذلك عن الملازم وكاشفا فظاعة المجزرة. وفي يوم 20 نوفمبر قامت وسائل الإعلام بكشف القضية وبنشر صور الضحايا. وحكمت محكمة عسكرية على كايلي بالسجن مدى الحياة غير أنه تم إطلاق سراحه عندما منحه الرئيس نيكسون عفوًا خاصًا سنة 1974.

وحكمت محكمة عسكرية على كايلي (الذي كان الأمريكي الوحيد الذي حوكم وأدين بارتكاب المجزرة) بالسجن مدى الحياة لكن أفرج عنه بعد ثلاث سنوات في 1974 إثر تدخل من الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون.

عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية

ندم متأخر عن المجزرة

في عام 2009 اعترف كايلي بمسؤوليته عن المجزرة وأعرب عن ندمه لتورطه بقتل مئات المدنيين ، فيما اعتبر إحدى أبشع الصفحات السوداء لهذه الحرب. وقال كايلي لا يمر يوم دون أن أشعر بالندم على ما جرى في ذلك اليوم في ماي لاي، وأنه يشعر بالندم تجاه الفيتناميين الذين قتلوا وعائلاتهم والجنود الأمريكيين المتورطين وعائلاتهم، وأثارت المذبحة استنكارًا دوليًا. وقال كايلي حينها إنه تلقى أمرا بتنظيف القرية للاشتباه في أنها معقل حركة التمرد الشيوعي لكنها في الحقيقة كانت تعج بالنساء والأطفال والمسنين العُزَّل.

لم يكشف عن المذبحة إلا بعد أكثر من سنة في نوفمبر 1969، عندما أطلق رجال سرية تشارلي بقيادة كايلي النار على مدنيين خلال مهمة في قرية ماي لاي. وكان معظم الضحايا من المسنين والنساء والأطفال. ولا تزال حصيلة هذه المذبحة غير معروفة بدقة إلا أن التقديرات الأمريكية تحدثت عن سقوط ما بين 347 و504 قتلى.

وبعد إطلاق سراحه أقام كايلي في كولومبوس حيث عمل في محل مجوهرات يملكه حماه ويقيم حاليا في أتلنتا في جورجيا. وقد حوكم الضابط الذي كان يأمره حينها الكابتن ارنست ميدينا أيضا في إطار هذه القضية لكنه برئ عام 1971.