يتحدث لعمال المصانع لزيادة الإنتاجية وتعزيز ثقتهم بأنفسهم

ترجمة وإعداد-كريم المالكي:

هل فكر الإنسان في رؤية نفسه في المرآة وأدرك معنى أن يكون ليس لديه يدان؟ وهل واجه ذات مرة حقيقة لو أنه لا يستطيع المشي لأنه لا يمتلك أرجلاً؟ وماذا سيفعل إذا لم يكن لديه ذراعان أو رجلان؟ وهل فكر الإنسان بتلك النعم التي منحها الله؟ أعتقد أن المسألة بحاجة للتأمل، لذا دعونا نتعرف على شخص من نوعية أولئك الأبطال الذين، رغم كل ما بهم من إعاقة تجدهم على قدر عال من التفوق، ولنكن مستعدين، لتحمل ما سنواجهه من دهشة بسبب هذا البطل.

لقد تمكن، نيك فيوتتش أن يُذهلْ الجميع فقد استطاع وهو لم يزل في سن السابعة عشرة، تأسيسّ مؤسسة غير ربحية اسمها "الحياة بدون أطراف"، وذاع صيتها في العديد من دول العالم، وقدم من خلالها خطابات بدول عديدة دعا فيها إلى التعايش مع الإعاقة وبث الأمل في النفس، ونسيان الإعاقة والعيش بإيجابية بعيداً عن الإحباط واليأس، وقدم نفسه كمثال حي، أثناء خطاباته ولقاءاته مع الجمهور، بأن كل شخص لديه القدرة على فعل المستحيل، لقد تحوّل من إنسان يعاني الإعاقة إلى إنسان قادر على التأثير بالآخرين.

نيك فيوتتش أسترالي من أصل صربي ولد في 4 ديسمبر 1982، وكانت ولادته بلا أطراف صدمة كبيرة لكل أفراد عائلته. ولم يعثر الأطباء على سبب لعاهاته التي تسمى بمتلازمة نقص الأطراف الأربعة، النادرة الحدوث.

تحد مبكر للإعاقة

وفي البداية، اعتقد والد نيك، وهو كاهن، أن صغيره لن يعيش طويلا، ولكن نيك أثبت خطأ الجميع. ورغم أنه لم يكن مثل معظم الأطفال، لكنه كان طفلا معافى جدا. وجعلت هذه الحقيقة الناس يشعرون بالقلق بشأن مستقبله. بدأ نيك بتحدي إعاقته حينما تعلم الكتابة باستخدام أصابع قدمه الصغيرة الظاهرة في أسفل جذعه.

وعندما بدأ نيك دراسته في المدرسة، حاول دائما أن يعيش مثل الأطفال الآخرين، رغم أنه في البداية كان عليه أن يواجه عدم القبول والسخرية، غير أن حب أسرته ممثلة بوالديه جعل من نيك شخصية قوية وبعد ذلك مكناه من أن يتجاوز الأوقات الصعبة. وفي الأخير تقبل أصدقاء نيك إعاقته الجسدية ببطء، كما أنه حصل على أصدقاء جدد رافقوه بحياته.

أسرة داعمة

ورغم أن والده علمه أشياء كثيرة، لكنه أدرك أنه غريب جدا عن جميع أصدقائه، وراوده شعور بالإحباط، لأنه اعتقد بأنه سيكون دائما مشكلة لمن حوله، ودخل في اكتئاب شديد وأخيرا فكر نيك بإنهاء معاناته بالانتحار.

وكان لوالدته دور بارز جدا في تحوله حيث عرضت عليه صورة شخص بإعاقة شديدة لكنه متعايش معها بشكل عادي جدا ودعمته عائلته وأقاربه وأصدقاؤه. وفي النهاية، كسبوا المعركة في عقل نيك، وبدت نظرته تتغير تماما فتحول إلى إنسان مُفعم بالنشاط والإيمان بالقدرة البشرية مهما كانت الصعاب.

ذكاء وموهبة

كان طالبا ذكيا جدا، وجيدا في دراسته وتعلم استخدام الكمبيوتر، كما بدأ بالعناية بمظهره وكيفية الحلاقة وتصفيف الشعر والردّ على الهاتف وتنظيف الأسنان باستخدام الفرشاة كما تعلّم السباحة أيضاً، وفي الـ 21، أنهى الجامعة وحصل على بكالوريوس اقتصاد. ومع ذلك لم يبدأ بعد أعماله لأن الله أراد شيئا أكبر وبفائدة أكثر.

وفجأة، ظهرت موهبة فريدة لدى نيك، لم تكن لدى أحد من عائلته. لقد أصبحت مواقفه وسلوكه وكلماته تؤثر بسهولة بالناس، وتحرك الروح، وتزيد من ثقتهم بأنفسهم. وإدراكا منه لموهبته، انخرط بالدراسة في أمريكا ليكون "متحدثا تحفيزيا"، وأنهاها بسرعة وبنتيجة بارزة. وبسبب أزماته النفسية وحالات التمييز والشعور بالوحدة، والرفض من الأصدقاء، التي دمرت صورته عن نفسه وتسببت بفقدانه احترامه الذاتي، تكونت لديه رغبة بمساعدة الآخرين الذين يكافحون لحب أنفسهم.

جمهوره في كل مكان

وبسبب ما يمتلكه من لباقة وحس دعابة، فضلاً عن إعاقته التي تغلب عليها صار له جمهور كبير، امتد مع الوقت إلى 50 دولة، حيث يُطلب فيها بالاسم ليروي قصته على طلبة المدارس والجامعات وبيوت اليتامى ورواد المصحات النفسية، وعلى موظفي ومديري أكبر الشركات في العالم. وباستخدام تجربته كموضوع رئيسي، عَلّمَ مستمعيه أن يثقوا بالله سبحانه وتعالى وبقدرته، وقد أصبح نيك مصدر إلهام للآخرين ليتمكنوا من العيش بسعادة وعدم السماح لتحديات الحياة أن تمنع آمالهم وأحلامهم.

إلى جانب تقديم الخدمات والوعظ يتواصل مع الشباب بالمدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في جميع أنحاء أستراليا كمتحدث ضيف لبناء الثقة بالنفس في مستمعيه. ونجحت خدماته في المدارس بخفض حالات الانتحار التي تحدث بين الشباب في أستراليا. وفي أغلب الأحيان كان يطلب منه التحدث في المصانع الكبيرة لزيادة مستويات الإنتاج وتعزيز ثقة الموظفين بأنفسهم.

مؤلف ناجح وملهم لمن يرغبون بانطلاقة جديدة

وتحول حلم نيك في أن يكون مؤلفا ناجحا لحقيقة واقعة، فقد أصدر كتابه الأول "بدون أذرع، بدون أرجل، بدون مخاوف". كما أنه في عام 2012 تزوّج من كانا مياهارا وأنجبا طفلين. ودائما ما تجد نيك يشكر الله لامتلاكه قطعة صغيرة من ساق يسرى يستخدمها عندما يريد الكتابة بقلمه، أو عندما يرفع الهاتف لإجراء مكالمة أو استخدام لوحة المفاتيح للكمبيوتر، فضلا عن أنها مفيدة جدا للوقوف والمشي باستخدام الوركين. وفي الحقيقة إن حياته تغيرت كثيرا منذ أدرك أن كل هذه المعاناة التي كان عليه التعامل معها، كان وراءها مستقبل جميل أراده الله له.

ويقول نيك في أحد أحاديثه، نحن أمام خيارين، الأول أن نحاول، والثاني أن نفشل ونيأس. وعلينا أن نختار، لقد تعلمت من والديّ أن أبتسم دائماً وهكذا أصبحت حياتي ممتعة ومبهجة وأتمتع بها إلى أقصى درجة. ومن أشهر مقولاته "لقد عرفت سبب وجودي في الحياة وسبب إعاقتي".

ويعد نيك أحد أشهر الشخصيات وأكبر محاضر معاق بالعالم وباعث الأمل في النفوس ومثالا للأمل والتحدي لجميع المصاعب وألقى محاضرات في جميع أنحاء العالم وزار العديد من الدول ليحفز المعاقين والأصحاء، وتجاوز عدد المستمعين لمحاضراته 3.5 مليون. وليس ذلك فقط بل تمكن أيضا من الحصول على العديد من الجوائز وظهر في العديد من البرامج على التلفزيون وسجلت له فيديوهات على اليوتيوب، أما الأهم في حياة نيك فإنه مصدر إلهام للكثيرين، الذين يرغبون بانطلاقة جديدة في الحياة.