• فيتو روسيا والصين يمنع "الأمن" من المطالبة بالتحقيق دولياً مع الأسد
  • اتهامات مدعومة بأدلة واضحة في 41 جريمة حرب وقعت في حلب
  • توثيق التهم بشكل دقيق وبشهادات من الأمم المتحدة ومنظمات دولية مدنية
  • مبادرة المحامين الألمان مهمة لأنها الأولى من نوعها ضد الديكتاتور

برلـين - الراية:

من يشاهد هذه الأيام الصور القادمة من شرق حلب، فإنه يشعر بالحزن وبالخجل، فصور المستشفيات المدمرة وأشلاء النساء والأطفال والممرضين والأطباء أصبحت عادية. اليوتيوب والفيسبوك والتويتر والفضائيات تنقل إلى بيوتنا الصور الفاجعة عبر أفضل تقنيات التصوير والكاميرات التي تحملها طائرات بدون طيار، ولا أحد يعرف ماذا يريد العالم أن يحصل في سوريا أكثـر مما حصل، لكي يتدخل المجتمع الدولي، ومن وجهة نظر محمد دايماجولر، المحامي الألماني من أصل تـركي، فإن ما يجري في حلب عبارة عن حرب إبادة بطيئة.

وكان دايماجولر يتحدث في مؤتمر صحفي في برلين، عقده مع خمسة من المحامين الألمان، الذين سلموا المدعي الألماني العام في مدينة كالسروة، دعوى ضد الدكتاتور السوري بشار الأسد، وطلبوا التحقيق في التهم ضده، بارتكاب جرائم حرب.

اتهامات مدعومة بأدلة

وتضمنت الدعوى اتهامات واضحة مدعومة بأدلة بالغة، في 41 جريمة حرب وقعت في حلب خلال الفترة من 26 أبريل حتى 19 نوفمبر 2016.

وقال دايماجولر في برلين: حددنا الدعوى في هذه التهم لأننا قمنا بتوثيقها بشكل دقيق وصريح، وبشهادات من الأمم المتحدة ومنظمات دولية غير حكومية موثوق بها.

وأعرب عن أمله بأن يتم معاقبة أحد أهم المسؤولين عن القتل الجماعي في سوريا، لكن السؤال الذي يدور في خلد العديد من المراقبين هو هل تنجح مبادرة المحامين الألمان الستة؟ ولماذا لم يتحرك القضاء الدولي حتى الآن علماً أن القتلة معروفون حق المعرفة؟.

محكمة الجزاء خيّبت الآمال

وتقول الصحفية الألمانية كيرستن هيلبيرج، التي درست وعملت بضعة أعوام في سوريا وتعتبر من الأقلام الألمانية الملمة بالشأن السوري، إن محكمة الجزاء الدولية قد خيبت الآمال، وكان المرء يتوقع منها أن تقوم بدور بارز، لأن جرائم الحرب كانت تقع على مرأى ومسمع من العالم كله، وتتناقل وسائل الإعلام صورها الوحشية.

وقالت هيلبيرج إن السبب في ذلك، كون سوريا لم تنضم إلى الدول التي وقعت على وثيقة العضوية، مثلها مثل الصين وروسيا (التي انسحبت منها مؤخراً خشية مقاضاتها على جرائم الحرب في سوريا) والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، علاوة على أن موسكو وبكين، تعرقلان منذ سنوات كل مشروع في مجلس الأمن الدولي، يسعى إلى معاقبة بشار الأسد أمام محكمة الجزاء الدولية أو فرض عقوبات ضده وضد نظامه الدموي.

وبرأي هيلبيرج، هناك أدلة كافية ضد بشار الأسد، مثل التي حصلت عليها منظمة العفو الدولية والمنظمة الحقوقية الأمريكية "هيومان رايتس ووتش"، و"أطباء بلا حدود" و"مراسلون بلا حدود"، حيث تشير تقاريرها باستمرار إلى حصول جرائم ضد الإنسانية في سوريا، وعلى الرغم من تحمل نظام بشار الأسد وروسيا، الجزء الأكبر من هذه الجرائم، فإن الملفت للانتباه، أن نظام دمشق، يركز على إبادة المعارضة وأن الأوامر لتنفيذ هذه الجرائم، تصدر عادة من قبل أعلى المستويات.

وهذا ما أكدته بيانان للشبكة السورية لحقوق الإنسان التي تملك الأرقام الحقيقية لعدد ضحايا النظام وأسمائهم والأماكن التي لقوا فيها حتفهم، حيث يتم نشر الأرقام بصورة شهرية، وتؤكد الشبكة أن 92 بالمائة من الضحايا الذين قضوا خلال الفترة من مارس 2011 أي عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية ضد النظام، وحتى نوفمبر 2016، كانوا من المدنيين، كثير منهم كانوا أطفالاً، كما أن الغالبية تعرضوا إلى التعذيب قبل الوفاة.

تطبيق القانون

وقد رحب حزب الخضر الألماني المعارض بمبادرة المحامين الألمان الستة لمقاضاة بشار الأسد أمام محكمة ألمانية، فقد صرحت ريناته كوناست، الوزيرة السابقة في حكومة الائتلاف الاشتراكي الأخضر التي تزعمها المستشار جرهارد شرودر (1998 - 2005) أن العنف بلغ ذروته في سوريا، ويجب تطبيق القانون بسبب استفحال العنف الذي يمارسه بشار الأسد ضد شعبه.

وبحسب القانون الدولي، فإنه يجوز لكل دولة التحقيق في الاتهامات ضد الأسد في ارتكاب جرائم حرب ضد شعبه وملاحقته، وفي حالة ألمانيا التي أخذت على عاتقها أن تصبح رائدة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وملاحقة مجرمي الحرب، بسبب ماضيها خلال العهد النازي، فإن الكثير من المهتمين الألمان في قضايا حقوق الإنسان، يريدون أن يتولى المدعي العام الألماني، التحقيق في الجرائم الخطيرة ضد بشار الأسد وبأسرع وقت ممكن كما حصل عندما حقق المدعي العام الألماني ضد أحد قادة ميليشيا هوتو في جرائم رواندا في سبتمبر عام 2015 وتمت محاكمته وإدانته من قبل محكمة مدينة شتوتجارت، ومعاقبة سلفي ألماني شارك في الحرب السورية في يوليو 2016 أمام محكمة مدينة فرانكفورت.

لكن رفع دعوى ضد بشار الأسد، مسألة أخرى، لها تبعات سياسية دولية حتى لو أنه من غير الممكن توقع مثول بشار الأسد أمام محكمة ألمانية، لكن القضية سوف تثير جدلاً واسعاً في العالم.

مبادرة مهمة

لكن برأي المحامي البريطاني، توبي كادمان، المختص في قانون العقاب الدولي، يعتبر المبادرة التي قام بها المحامون الألمان الستة، مهمة جداً، لأنها الأولى من نوعها.

وأوضح أنه يعمل منذ سنوات في لندن، بجمع أدلة على جرائم الحرب في سوريا، خاصة التي نقلها الشاهد السوري الذي يستخدم الاسم المستعار "القيصر"، وكان يعمل مصوراً عسكرياً حيث هرب من سوريا حاملاً معه 55 ألف صورة لضحايا النظام، وقال إن ألمانيا التي فتحت أبوابها أمام قرابة مليون سوري، تستضيف أكبر عدد من الشهود الذين يستطيعون إدانة بشار الأسد بكل سهولة.

وقال المحامي دايماجولر لدى سؤاله، عن سبب عدم رفع دعوى ضد داعش، الذي يتحمل أيضاً مسؤولية الكثير من الجرائم: لقد كان بوسعنا رفع دعوى ضد التنظيم المذكور، لكن كما يعلم الجميع، يتم ملاحقة التنظيم وهذا أمر جيد، أما بشار الأسد، فإنه يتحمل مسؤولية مقتل أكثر من 90 بالمائة من المواطنين السوريين، والفارق بينه وبين التنظيم، أنه لم يتعرض إلى الملاحقة ويعتقد بسبب الدعم الروسي السياسي والعسكري له، لا أحد في العالم يستطيع أن يعاقبه.

القضية بيد المدعي العام الألماني

وبحسب المحامين الألمان الستة، فقد أصبحت القضية بيد المدعي العام الألماني، الذي أصبح يتعين عليه النظر في الدعوى الخطيرة ضد بشار الأسد حسب قانون العقاب الدولي. وبرأي المحامية الألمانية سيدا باساي يلديز، فإن المحامين الستة لجأوا إلى المدعي العام الألماني، بعد أن تبين لهم صعوبة تكليف محكمة الجزاء الدولية من قبل مجلس الأمن الدولي بهذه الدعوى، بسبب الفيتو الروسي والصيني. وأكدت أنه ليس بوسع المدعي العام الألماني رفض النظر بالدعوى، دون أن يبرر ذلك إذا قرر رفضها لسبب ما.

غير أن المحامي ينس ديكمان، يقول إنه في ألمانيا الكثير من اللاجئين السوريين الذين فروا من النظام السوري وشاهدوا ويلات الحرب، وهم على أتم الاستعداد لتقديم شهادات تدعم مضمون الدعوى، لاسيما أن اللاجئين يدلون بأقوال تؤيد الاتهامات ضد الأسد، عندما يتم استجوابهم من قبل المحققين الألمان، لدى النظر بطلبهم اللجوء السياسي لألمانيا، بمعنى آخر، إن هناك المئات بل الآلاف من الشهود الذين يستطيعون تأييد ما ورد في دعوى المحامين الألمان الستة ضد بشار الأسد.