بقلم : طـــه خـلـيفـة - كاتب وصحفي مصري ..
هذه المرّة كان الصحفيّون صنّاع الأخبار هم أنفسهم مادة الخبر، وصورة الخبر في لحظة كانت لافتة جداً وذات دلالات مهمّة على عشق المهنة والإخلاص لها والتفاني من أجلها، مهنة البحث عن الحقيقة مهما كانت كلفة التضحيّات في البحث اليوميّ الشاق والمُضني، يحدث ذلك في بلدان تُقدّس الحقيقة، وتجعلها تاجاً على رأسها لتحيا قويّة مُزدهرة حرّة، ولا يحدث ذلك بالطبع في بلدان تقتل الحقيقة عمداً لهذا تظلّ في المؤخرة تحيا في غرفة إنعاش دائمة بأجهزة تنفّس صناعي.

الخبر الاستثنائي الرائع تمت صياغته بعفويّة شديدة الأربعاء الماضي في أمريكا البلد الذي يُعظّم الصحافة ويضع حريتها واستقلاليتها في المادة الأولى من الباب الأول من الدستور، ومهما قيل في مسألة الانحيازات وعدم الاستقلاليّة الكاملة والحياد المنقوص أحياناً والهوى الغلاب في أحيان أخرى إلا أن الصحافة الأمريكية ومنظومة الإعلام هناك هي سلطة شعبيّة حقيقيّة وواقعيّة تمارس عملها بحريّة لا يتوفّر في الشرق الأوسط والعالم الثالث ولا في معظم الكرة الأرضية جزء من أحد هوامش هذه الحريّة والمهنيّة.

تواجه الصحافة في عملها بشجاعة ودون خوف أو ترهيب أو رقابة ذاتيّة أو عامّة، إلا رقابة القانون والضمير المهنيّ، المسؤولين عندما يرتكبون مخالفات وتجاوزات، والحرب التي يُشعلها ترامب مع الإعلام تكشف قوة هذا الإعلام في نقد أعلى سلطة في الدولة، وعدم التستّر على الأخطاء، وغياب ممارسات التزييف للفوز برضا الحاكم وعدم إغضابه طمعاً أو رهباً، وما لم تكن هناك حريّات مضمونة في الرأي والتعبير ووجود دولة قانون فعّالة تحمي صاحب الكلمة والرأي طالما لم ينتهك القانون لما صار الإعلام سيفاً من فولاذ يقطع بلا رحمة رؤوس المُخطئين والمُفسدين والمُستبدّين.

الأربعاء الماضي بثت وكالات الأنباء صوراً لصحفيين رجالاً ونساءً يخرجون مُسرعين من باب محكمة أمريكيّة حيث كانوا يغطون جلسة الحكم على بول مانفورت المُدير السابق للحملة الانتخابيّة لـ ترامب فقد أدانته هيئة المُحلفين بـ 8 اتهامات، الصحفيون كانوا ينطلقون مثل الجياد الجامحة لتبليغ صحفهم وفضائياتهم بخبر عاجل عن الإدانة لأن القاضي منع وجود الهواتف المحمولة أو الإنترنت داخل الجلسة.

ولأن الخبر مهم في سياقاته القانونيّة والسياسيّة، فإنه بعد النبأ العاجل يقوم الصحفيون باستكمال عملهم في كتابة الأخبار المُفصّلة والتحليلات والتقارير حول جلسة المحاكمة، وكل ما جرى فيها، وانعكاساتها على ترامب ومستقبل رئاسته ووجوده في البيت الأبيض وعلاقة كل ذلك بالتحقيق الذي يُجريه المُحقق الخاص روبرت مولر بشأن التدخّل الروسي للتأثير على الانتخابات الرئاسيّة لصالحه، وهي القضية التي تتسع وتتفاعل وتدخل في مناطق خطر جديدة له بعد تطوّرات قضيّة أخرى لمُحاميه الخاص السابق مايكل كوهين واعترافه بأن الأموال التي دفعها لنجمتين تعملان في مجال مُثير - 130 ألف دولار، و150 ألفاً - تمّت بعلم ترامب لشراء صمتهما حتى لا يؤثر حديثهما بشأن علاقاته بهما على فرصه في الانتخابات.

كان طبيعياً من الصحفيين أن يدخلوا في سباق للعدو سعياً من كل واحد منهم لتحقيق السبق في نشر أو بثّ خبر الإدانة للجمهور، فهم يُدركون أنهم يعملون لصالح القارئ والمُشاهد الذي جرّب مصداقيتهم وحرصهم على إعلامه بكل ما هو جديد وصحيح، وأنهم يعملون في مؤسسات هدفها خدمة المواطنين، وليس خدمة أجهزة الحكم، وأن مصدر الدخل الرئيسي لمؤسساتهم التي يحصلون منها على رواتبهم هي من ولاء القارئ والمشاهد لها، وأن تزايد أرقام التوزيع وأعداد المُشاهدين والمُتابعين يعني بقاء المؤسسات صامدة لا تخضع ولا تلين في كشف الحقيقة، ذلك أن أحد أعمدة الاستقلاليّة هو توفّر المداخيل الماليّة المُستقلّة التي لا تجعل أحداً، سواء كانت مؤسسات وأجهزة دولة، أو مموّلين من منظمات وأفراد، يمارسون ضغوطاً لتوجيه السياسة التحريريّة.

ومن ضمن الصور التي لفتت الانتباه كانت لفتاة ترتدي ثوباً أزرق اللون تنطلق مثل البرق، وتبيّن أنها متدرّبة في قناة «NBC» وتدعى كاسي سايمون، وقد صارت مع زملائها مجال اهتمام على مواقع التواصل في أمريكا وخارجها، والمؤكّد أنه لم يكن في حسبانها وهي تجري مشغولة بالتفكير في عنوان الخبر الذي ستبلغه لشبكتها وما ستكتبه بعد ذلك أن تحقق هذه الشهرة الواسعة، وربما تكون في قفزاتها وكأنها تطير في الهواء فرصتها للتثبيت في قناتها، أو تلقي عرض للعمل في مكان آخر، الإخلاص في أي عمل يمنح صاحبه النتائج المُبشّرة التي هو جدير بها، إذا كان الاحتكام للكفاءة والجدارة، وليس الواسطة والثقة.

الصحافة الجادّة تنشر الحقيقة المجرّدة الموضوعيّة المُلتزمة بالقيم المهنيّة والأخلاقيّة، صحافة من أجل المواطن ليعلم حقائق ما يجري حوله بشفافية ونزاهة وعدالة، ومن أجل الوطن لإعلاء شأنه وتعظيم مصالحه، والصحافة ليست في معركة دائمة مع سلطة الحكم إلا عندما تُجحف هذه السلطة بحقوق المواطن، وعندما لا تحافظ على مصالح الوطن وتفرّط في مقدّراته، وعندما تستبدّ وتنتهك الحريّات والحقوق وتكمّم الأفواه وتقمع الآراء وتنشر الرعب العام.

لا نتحدّث هنا عن صحافة وفضائيات الدعاية والتعبئة والتحشيد والعلاقات العامّة وتزييف الوعي، إعلام الصوت الواحد الموجّه لخدمة سلطة الحكم، ومضمونه يُكتب لإرضاء قارئ واحد هو الحاكم حتى لو انهارت أرقام التوزيع وتراجع عدد المُشاهدين، هي نشرات بلا قيمة ولا علاقة لها بقيم المهنيّة يتعمّد الحاكم الفرد في بلدان الاستبداد مسخها وتحويلها إلى أوراق وشاشات للنفاق الرخيص المفضوح.
  
tmyal66@hotmail.com