قالت السيدة القطرية مريم عبدالعزيز محمد المنصوري، المعروفة بأمّ عبدالعزيز: إنّ المرأة القطرية حققت إنجازات كبيرة في مجالات الاستثمار بجدارة وكفاءة كبيرة، مشيرةً إلى أن المواطنات يُشاركن بقوة في مسيرة التنمية التي تشهدها دولة قطر حالياً، مشيدةً بالدعم الكبير واللامحدود الذي تحظى به المرأة القطرية وتمكينها من العمل في كافة المجالات، ومنحها الفرصة للمشاركة في بناء مجتمعها.

وكشفت في حوار مع الراية عن مفارقات كبيرة في مسيرتها الحافلة بالإنجازات، مشيرة إلى أن وفاة ابنها، وحزنها الشديد عليه قاداها للعمل والاحتراف في مجال الطهي، لافتةً إلى أنها لم تتوقّع أن تطبخ خارج بيتها يوماً. وأكّدت المنصوري أنها من أوليات القطريات اللاتي دخلن سوق واقف، مشيرةً إلى أن الأكلات الشعبية، لاسيما الهريس القطري هي من أكثر الأطباق التي يفضلها السياح من كافة الجنسيات، المتردّدون على السوق طيلة أيام شهر رمضان المبارك.

وإلى تفاصيل الحوار:

  • كيف اتّجهت إلى مجال الطبخ؟

- قبل عشرين عاماً، لم أكن أتوقّع أن أعمل في بيع الطعام، وأصبح متخصصة في هذا المجال خارج بيتي مطلقاً، ولكن وفاة ابني وحزني الشديد عليه، قاداني إلى ذلك.

حتى أن بناتي فكرن في البحث عن مشروع يساعدني على الخروج من حالة الحزن، فوقع الاختيار على الطبخ، كوني أجيد فنّ الطهي بمهارة.

في البداية، كنت أطبخ أصنافاً مُختلفة من الطعام في بيتي، ثمّ أبيعها في أماكن متفرّقة، مثل حديقة دحل الحمام، وفي سباق الهجن في منطقة الشحانية، وفي الساحة المخصصة لدائرة الجوازات، ودار الإنماء الاجتماعي، وأيضاً في الحديقة القريبة من فندق الشيراتون (حيث كانت تُنصب الخيام لبيع الطعام في أسبوع المرور هناك).

إقبال كبير

  • وهل كان هناك إقبال على المأكولات المنزلية؟

- بالتأكيد، خاصة أن بيع الطعام المحضر في المنزل لم يكن مُنتشراً في قطر آنذاك، وكنت من بين القليلات في هذا المجال، وقد نالت جميع أطباقي إقبالاً كبيراً وواسعاً، لدرجة أن الطالبات في جامعتي قطر والمؤسسة التعليمية يتصلن بي لطلبها، بالإضافة إلى طلبيات خاصة للأعراس، فتوسّعت في عملي واشتهرت خلال فترة قياسية.

  • هل اقتصرت أطباقك على الأصناف الشعبية فقط؟

- في البداية، كنت أعمل إلى جانب الأطباق الشعبية، الفطائر والمحاشي بأنواعها، والكيك، والكشري الذي لاقى شهرة واسعة، وكانت العوائل تأتي من خارج الدوحة لتتناوله في مطعمي، لكني حصرت تخصصي الآن في المأكولات الشعبية فقط.

  • وماذا عن محلّ الأكل الشعبي في سوق واقف؟

- محلي في سوق واقف مخصص للأكلات الشعبية القطرية فقط، كي يتماشى مع الطابع التراثي للمكان. وقد أسميت المحل باسم المرحوم ابني «عبد العزيز»، لتبقى ذكراه خالدة على لسان كل من يتذوّق أطباقي ويذكرونه بالخير والدعاء بالرحمة والمغفرة له.

  • عرفينا على أطباقك الشعبية؟

- أقدّم جميع الأكلات الشعبية القطرية، مثل الهريس، المضروبة، المرقوقة، العصيدة، الخنفروش، البلاليط، النخي، الباقلاء، المعكرونة، برياني الدجاج واللحم. ويعدّ مجبوس الدجاج من أكثر الأطباق طلباً ليس من العرب فقط، بل من السيّاح الأجانب أيضاً.

  • عرفينا على آلية عملك؟

يومياً، أعدّ أصنافاً مختلفة من المأكولات الشعبية، حيث أقوم بجميع خطوات التحضير والطهي في بيتي، ثم أحضر الطعام ساخناً إلى المحل، ويوضع في قدور كبيرة، على نار هادئة ليحافظ على درجة حرارته ويتناوله العميل طازجاً.

وعند حلول وقت العصر نبدأ التحضيرات الأولية مثل، تقطيع الدجاج، ثم وضعه في الثلاجة بعد غسله جيداً وتتبيله بالبهارات. أما الهريس، فيُطهى على مرحلتين، تتم الأولى في المساء، ثم يوضع في مكان بارد، ليتم استكمال المرحلة الثانية من الطهي في السادسة فجراً من اليوم التالي، حيث يتطلب نضجه سبعَ ساعات من الطهي البطيء.

  • هل لديك كادر يُساعدك؟

- قبل عام ونصف ساءت حالتي الصحية وأصبحت أتحرك بواسطة الكرسي المتحرك، لذلك جلبت طباختين لتساعداني في عملية الطهي في المنزل، ولكن تحت إشرافي الكامل في كل خُطوة، كي لا تتغير نكهة أطباقي المتميزة لدى عملائي.

كذلك، فأنا أصنع بنفسي جميع البهارات التي أستخدمها في أطباقي، ولا أعتمد الأشياء الجاهز مطلقاً. فتذوّق اللقمة الطيبة والنظيفة، والجودة العالية، شعاري الأوّل في عملي.

أما في المطعم، فقد وظفت عاملين لتقديم الأطباق فقط، علماً أنني أتواجد في مطعمي يومياً من بعد صلاة العشاء لحين نفاد جميع أصناف الطعام.

بدائل جيّدة

  • هل واجهت صعوبة في الحصول على أغراض الطبخ بعد الحصار؟

- أشتري كميات كبيرة من الخضراوات والفواكه الطازجة بشكل يومي. لم أواجه أي صعوبة في الحصول على المواد الأولية بعد الحصار مطلقاً، بل هناك بدائل ذات جودة عالية دوماً.

مواسم الرواج

  • هل هناك أوقات معينة ينتعش فيها بيع المأكولات؟

- بالتأكيد، فصل الشتاء والعطل الأسبوعية، وكذلك الأعياد وشهر رمضان والمُناسبات الوطنية، من أكثر المواسم التي تنتعش فيها جميع محلات سوق واقف. أما فترة الاختبارات المدرسية، ومع ارتفاع درجات الحرارة أثناء العطلة الصيفية يتحول البيع إلى طلبيات للمنازل.

كما ذكرت سابقاً، نطبخ الطعام بشكل يومي، ونبدأ العمل في المطعم من الساعة الرابعة عصراً إلى حين نفاد الكمية بعد منتصف الليل. أما في شهر رمضان، فيبدأ عملنا من الساعة الثانية والنصف ظهراً، حيث تزداد الطلبيات الخارجية (تيك أواي) لوجبة الإفطار. كما تأتي العديد من الجنسيات المقيمة بعد صلاتي المغرب أو العشاء إلى المطعم لتتناول الهريس القطري، ويأتي آخرون لأخذ طلبيات الغبقة الرمضانية، فضلاً عن طلبيات حفلات الخطوبة، وأخرى تردنا عبر المواقع الإلكترونية على مدار العام.

توسيع المساحة

  • هل لديك خُطّة لتوسيع المطعم؟

- أتمنّى أن أوسّع مساحة المطعم، خاصة أنه يتمتع بموقع إستراتيجي مميز في السوق، ولدي طلب وزخم كبيران، وتوسعة المطعم تساعدني في إضافة أصناف جديدة إلى لائحة أطباقي كما يرغب العملاء، مثل خبز الرقاق والشاي والكرك، ولو سنحت لي الفرصة لن أتردّد في ذلك أبداً.

لا توجد أي منافسة بين محلات السوق، بل علاقتنا جميلة ومتينة مع بعضنا البعض، ونكمل بعضنا الآخر.

موافقة الزوج والأهل

  • كونك من الأوليات في السوق، هل واجهت معارضة من الأسرة؟

- لم أواجه مشكلة مع زوجي أو أبنائي الذكور ولا أقاربي، لأنهم هم من شجعوني للدخول والتخصص في هذا المجال. كما حصلت على موافقة أقاربي وأهل زوجي قبل مُباشرتي بالعمل.

لكن تعرضت لانتقادات من بعض الصديقات والجيران، إما بدافع الغيرة أو الحسد، أوربما بحكم العادات والتقاليد المحافظة. وبمرور الوقت، بعد أن أثبتّ نجاحي وجديتي في العمل، انعكس الحال، وتمنّت كل واحدة منهن أن تحذو حذوي، وأن أسعى لإيجاد محل لها داخل السوق. وأخريات يعرضن عليّ شراء البهارات منهن، لكني أعتمد بشكل كامل على مجهودي الخاص ابتداءً من تحضير البهارات وصولاً إلى إعداد الطبق النهائي.

سعادة كبيرة

  • ما رأيك باقتحام القطريات عالم البزنس؟

- سعيدة جداً بما حققته، وأشكر كل من وقف إلى جانبي ودعمني، فالعمل أخرجني من حالة حزني الشديدة على فقدان ابني، كما جلب لي الرزق، وعلمني الاعتماد على النفس.

كما أثني على جهود النساء القطريات واقتحامهن عالم البزنس بجدارة، لكني أنتقد كل من لا يعمل بيده ويعتمد على العمالة فقط، سواء كان رجلاً أو امرأة، وأعتبره خطأ فادحاً ليس في مجال الطبخ فحسب، بل في جميع المجالات. والأهم أن يحب الإنسان عمله ويحترمه، ليكون نابعاً من قلبه، ولا مانع من عمل المرأة القطرية في أي مجال، ما دام أنه لا يتنافى مع العرف والدين، فالعمل شرف. كذلك أشكر قيادتنا الرشيدة، لتطوير سوق واقف بهذه الهيئة التراثية المشرفة، للقطريين والمنطقة بالأكمل، وجعله مكاناً هاماً لارتياد السيّاح والزائرين من جميع أنحاء العالم.

كما أثمن الدعم اللامحدود للمرأة القطرية، وتمكينها من العمل أسوة بأخيها الرجل، ومنحها الفرصة لإثبات قدرتها وجدارتها، وبالتالي مشاركتها في بناء مجتمعها.

دخول المطبخ

  • ماهي نصيحتك للفتيات في مقتبل العمر؟

أنصح جميع الفتيات بدخول المطبخ، وإتقان الأكلات البيتية النظيفة، والابتعاد عن الوجبات السريعة المضرة بالصحة. وعلينا ألا ننسى أن الطهي، من الأمور الهامة والأساسية، الواجب أن تتقنها المرأة.