بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..
مرّ عقدٌ من الزمان على رحيل الشّاعر الفلسطينيّ محمود درويش. يأتي يوم 9 أغسطس/ آب تاريخ ذكراه العاشرة والأمة العربية لا تزال في توهانها المُفضي إلى ضياع الذات وغياب العقل. وكأنّه بعد عشر سنوات منذ أن توقّف قلبه عن الخفقان في إحدى مستشفيات هيوستن في ولاية تكساس الأمريكية، يخاطب الجميع من برزخه “اليوم تبكون على القدس والقدس لا تبكي على أحد”.

بصهيله الأخير، جيّر “محمود درويش” بكاءنا المزمن، فوحدها دموعنا المنسكبة على نهايات “الموعد الأول” و”الجرح القديم”، و”وعود من العاصفة” تبتكر بدايات أخرى لمآسينا، بوابات قصائد كلما دخلها العابرون أينعت وأزهرت وربَت، ليمضي وهو يحمل وصايا أمّه ورائحة قهوتها كما ترانيم الحياة الآخرة.

 كتب الشاعر المصري الراحل عبد الرحمن الأبنودي في رثائه عن آخر مكالمة بينهما: “قبل أن يسافر في رحلته الأخيرة إلى هيوستن هاتفني في بيتي الريفي بالإسماعيلية، حيث أقيم وقال لي إنّهم يريدون منه إجراء عملية وكان قد أجرى من قبل عمليتين في القلب، وقال هذه المرة: لن أدعهم يعبثوا بجسدي، خاصة أنّهم يريدون 25 سم شرايين، ولم يعد بإمكان جسدي التحمل أكثر من ذلك، ولن أتركهم يكشفون على جسدي ولن أدعهم يجرون العملية”.

وأضاف الأبنودي: “أنّه من عجيب الأمر أنّ قصيدته الأخيرة “لاعب نرد” قصصتها بيدي من الجريدة وعلقتها على الجدار أمامي، وهو أمر لم يحدث لي من قبل مع أيّ شاعر ولم أكن أعرف أنّها آخر قصيدة لدرويش الشاعر الفذّ الذي لا يعرف من متع الحياة سوى القصيدة”.

ومن بين الكتابات الخالدة عن محمود درويش ما خطّه غسان كنفاني في نهاية ستينيات القرن الماضي ،عند انتقال درويش إلى القاهرة من أنّ درويش يمثل علامة طليعية بين رفاقه الشعراء العرب في الأرض المحتلة. وقد وضعه شعره الحاد في حرب مع العدو، حورب فيها برزقه أولاً، ثم أُبعد عن قريته، ثم وضع في السجن، ومن داخل ذلك السجن كتب أجود شعره وأكثره عنفاً وتحدياً.

وفي نعيه كتب أدونيس “بين ضوء الكلام، وظُلمة الزمن، عاش محمود درويش. جعلوا منه مُطهّراً يتجاوزون به خيبة العدل والسياسة، ورمزاً يلجأون إليه لكي يحنّوا ويتذكروا حيناً، ولكي يستشرفوا ويأملوا حيناً آخر.

وهو عبء احتضنه وإن كان طاغياً عليه، وهذّبه وارتقى به، وقرَنَ فيه بين الألم المرير والمتعة العالية، وبين الفجيعة والجمال. وفي ذلك صارع العبءَ الآخرَ، عبء الزمن، وآخاه واحتضنه كذلك. كتب شعره كمثل كيمياء تحوّل الموت إلى حركة حيّة، وتخترع الشطآن حتى للقوارب المحطّمة. وحيثما اغتربَ، أقام عاصمة للأمل، جاعلاً من الشعر أرضاً أخرى وسماء أخرى”.

لم يخرج هذا الرثاء عن سلسلة العزاءات والفقد الذي ابتكره هذا العقد الحزين منذ رحيله، وكلما تتعتق الذكرى يتعتق هذا الحزن الذي أسدل الستار على تواريه وخرج ضاجّاً بالفوضى، غير حيّي ولا خافت بل مكابراً أحياناً. هذا الزمن الذي يطالعنا منه تأكيداً على آلام ما سبقه، ويصدّقها أوسطه ويؤمن بها آخره فكان عقد رحيل الشعراء ومجيدي الكلمات ورحيل الأبرياء بظلم المتجبرين حين تستوي الحياة واللاحياة، وتستوي فوضى الديمقراطية وشرّ الديكتاتورية. حين تكون للحياة سنة ويكون العزاء أنّ أمثال محمود درويش تركوا فينا ما يمكن قوله واسترجاعه والإحساس به في كل زمان ومكان.

رأى النقاد أنّ ربط قصائده مثل “حاصر حصارك لا مفرّ” بالمقاومة بمعزلٍ عن القصائد الأخرى، بالرغم من أنّها أرهفت روح الشارع العربي وزيّنت أنشطة الطلاب رغم القيود المفروضة على مفردات النضال، فيه ظلم للشاعر. ففي الواقع أنّ قصائد المقاومة زادت شعره رهافة وتفتقت موهبته عن تجربة مستحيلة وهي إدخال الرمزية في الشعر العربي الحديث، وتجربته ليست من المدرسة الرمزية وحدها وإنما جنّد الرموز العائدة في مضمون قصائده إلى اللاوعي الساكن فيها فكان سرده وأسلوبه يصبان في نظام القصيدة الشاملة، الكاملة روحاً ومعنىً ومبنىً.

في ذكراه من كل عام ينعى الناعون درويش إلى محبيه وهم في عمق حزنهم بأنّ الكون شاغرٌ من شاعر تأمل وتوجّس كثيراً في قلقه الساخر من أجلٍ ينتظره. وأنّه حاول كثيراً تحويل السوداوية في مناجاة نفسه ولغته التعبيرية إلى مختلف الألوان. والآن فلا القصيدة تمنحه خضرتها التي نسجها في “نشيد إلى الأخضر” و”الرجل ذو الظل الأخضر”، ولا القضية تمنحه زرقتها المشغولة بتدوين وصايا “الدانوب ليس أزرق” “يوم أحد أزرق”.

أفجع ما يمكن اكتشافه هو أنّ للكتابة لوناً معتماً، فهي التي يمكنها أيضاً أن تكتسي السواد. بإمكانها أن تتحول من حروف يمكن ارتقاؤها بغرض الوصول إلى كلمة أو إلى محاولة نستميت من أجل تجميع شتاتها وهي تتربص بأفكارنا المتسارعة للحاق بأول السطر في تعزية للنفس أولاً، ثم التعزية في صاحب “عصافير بلا أجنحة”، “الحنين”، و”عاد في كفن”.