بقلم : سمير عواد (مراسل الراية في برلين) ..
لم يتمكن محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، من نسيان هاجس عواقب السياسة الخارجية السعودية منذ تعيينه في الحكومة السعودية عام 2015، عندما حضر افتتاح مونديال كرة القدم في روسيا، وجلس على بعد كرسي واحد عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث كان يفصل بينهما جياني إنفانيتو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم.

ورغم أن ولي العهد السعودي كان واثقاً قبل مباراة منتخب بلاده أمام المنتخب الروسي من تحقيق مفاجأة كروية، تساعده أمام العالم في تحسين سمعته، إلا أن الهزيمة الساحقة بخمسة أهداف نظيفة، جعلته يختفي بعد إعلان صافرة نهاية المباراة، وتبع ذلك تأنيب لاعبي المنتخب السعودي، لأن الخسارة الكبيرة حصلت أمام أعين محمد بن سلمان الذي غادر الملعب وهو خاسر رياضياً وسياسياً.. ولكن لماذا سياسياً؟

طيلة وقت المباراة، وحتى نهاية المباراة النهائية بين فرنسا وكرواتيا، كانت القوة الناعمة القطرية تلاحق بالذات قادة الدول الأربع (السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر) التي لا تزال تفرض حصاراً من البر والبحر والجو على قطر منذ تاريخ الخامس من يونيو عام 2017، وتُشعرهم بفشل المؤامرة التي أحاكوها ضد قطر، بهدف إخضاعها للتكيف مع السياسات المثيرة للجدل التي تنهجها هذه الدول المعادية للربيع العربي عام 2011.

ذلك أن نشر إعلان الخطوط الجوية القطرية في جميع المباريات التي تابعها مليارات البشر في جميع مناطق العالم، أوصل رسالة سياسية للجميع، وهي أن الحصار فشل على كافة الأصعدة، وأن قطر مستمرة في دورها الريادي بالمشاركة في أبرز الأحداث الرياضية في العالم، وأنها تستعد بجميع الطاقات المتوفرة لديها، لاستضافة المونديال القادم عام 2022.

كما أكد إعلان الخطوط الجوية القطرية في ملاعب مونديال روسيا، أن الأسطول الجوي القطري لا ينقل الركاب إلى مختلف بلدان العالم، بل من وإلى قطر بالذات، رغم محاصرتها من قبل أربعة بلدان (شقيقة).

وليس سراً أن هذه الخطوة غير المسبوقة في العلاقات الخليجية والعربية، لم تكن ممكنة ومستمرة بدون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ينهج سياسة مُربكة ومشبوهة جداً تجاه العالم العربي. وفشل الحصار هو أيضاً فشل ذريع لسياسات ترامب التي كان من المستحيل أن يقوم بها رئيس أمريكي من الذين سبقوه في منصبه.

لقد أصبحت قطر في السنوات العشرين الماضية، دولة معروفة على خريطة العالم، تنهج سياسة خارجية مستقلة بها عن شقيقاتها الخليجيات، أثارت إعجاب العالم، تقوم على التميز ونشر السلام وحل النزاعات عن طريق الحوار، وأصبحت الوسيط النزيه الذي انتزع احترام العالم. لكن لم يكن أحد يتصور أن البعض في الخليج والعالم العربي، كانوا يعتبرون صعود قطر، شوكة في أعينهم، وراحوا يفكرون بعد نجاحهم في إفشال الربيع العربي، لوقف عجلة التقدم التي تقودها قطر على أرضها والتي ألهمت الشعوب العربية، حيث إن بزوغ الربيع العربي لم يأت من فراغ، فإنشاء قناة «الجزيرة» كان بداية تنفس العرب هواء الرأي الحر وذلك من المحيط إلى الخليج.

وبينما وقفت قطر بعد ظهور الربيع العربي في الجانب الصحيح من التاريخ، اختارت دول الحصار بالذات الوقوف في الجانب المظلم منه.

الواقع أن كافة محاولات دول الحصار عزل قطر عربياً وإقليمياً باءت بالفشل لأنها اختارت النزاع مع الرقم الصعب في العالم العربي. فقد نجحت قطر في أن تحجز لنفسها بفضل دبلوماسيتها الجريئة والمتميزة والواقعية، مكانة مرموقة في العالم العربي والعالم ككل. كجهة تحكيمية نزيهة تمكنت من حل العديد من الأزمات وجنبت لبنان الوقوع مجدداً في حرب أهلية ومهدت للسلام في السودان ولن ينسى العرب أنها وقفت في الربيع العربي إلى جانب الشعوب وليس إلى جانب الأنظمة العربية المهترئة.

 في نفس الوقت كانت قطر ولا تزال، تنهج سياسة المنطق تجاه إيران، ولا يفرض عليها هذا النهج، التقارب الجغرافي مع إيران وتقاسمها وإياها حقلاً كبيراً للغاز، بل من شأن علاقة الجيرة أن تسهم في حل العديد من الأزمات التي لإيران ضلع فيها. لكن قطر كانت تحترم خصوصية عضويتها في مجلس التعاون لدول الخليج ولم تحد عن تنفيذ قراراته.

غير أن مجلس التعاون الخليجي الذي نعرفه لم يعد قائماً، فالحصار على قطر غير الأمور وأحدث انقساماً بين دوله، فبينما سار بعضها في ركاب المتآمرين، لم تستجب الكويت وعُمان لهم ولم تقتنع أبداً بما لديهم من أكاذيب وأضاليل هدفها التشكيك بقطر.

تواجه دول الحصار خيارين، إما مواصلة مخالفتها ميثاق مجلس التعاون وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، أو الاعتراف بفشلها وقبول بالحل الذي لا محال منه، وهو التفاوض الند للند مع قطر، لتجاوز الأزمة حتى لا تُعمر كثيراً لأن هذا سيهدد التعايش بين أبناء الأسرة الخليجية العربية، وازدياد التفكك الحاصل بين مجتمعات دول مجلس التعاون بفضل السياسة الطائشة التي تنهجها دول الحصار.