وباء يتعرض له سكان المناطق المشحونة بالتوترات

أثار ظهور مرض غامض في شهر نوفمبر من عام 2005 في مدرسة في منطقة شيلكوفسك في الشيشان الهلع والاستغراب عند من تابع الحالة عن قرب. وقد اشتملت أعراض المرض على تشنجات ، وغثيان وصعوبات في التنفس . ولم تتوقف حدود المرض عند ذلك بل انه انتشر إلى مدارس مجاورة اخرى.

وذهب الأطباء المحليون الى التشكيك في أن يكون ما تعرض له الطلاب هو تسمما جماعيا ، ولكن ظلت التساؤلات معلقة لحين وصول وفد طبي من العاصمة موسكو ،والذي توصل الى ان المرض لا يعدو عن هستيريا جماهيرية عان منها المصابين.

 لقد غدت شيشنيا أو الشيشان مسرحاً للعمليات العسكرية الروسية منذعام 1994 ، ولهذا فمن الواضح جداً أن يكون لدى اولئك الذين أُصيبوا إيمانا قليلا بالقرار الحكومي . وفي غضون ذلك ، ومن دون معرفة طبيعة التسمم المشكوك في أمره ، فإن الأطباء المحليين كانوا في حالة ارتباك بشأن الكيفية التي يعالجون بها مرضاهم. والطريقة الوحيدة للخروج من المأزق، وبحسب خبراء الصحة العامة فأن الحل الامثل ، هو إرسال فريق تحقيق من خارج بلدان الاتحاد السوفييتي السابق وذلك يعني من دولة يثق بها الشيشان . فإذا كان اللوم يقع على الهستيريا الجماهيرية ، كما يقولون ، فالثقة أفضل دواء في هكذا حالات.

 ولابد من الوقوف هنا عند حالة أخرى . فسوزانا جاكاب مديرة للمركز الأوروبي لمنع الأمراض والسيطرة عليها في العاصمة السويدية ستوكهولم ، عملت قي عام 1996 لصالح منظمة الصحة العالمية وكانت قد ساعدت في الكشف والتحقيق في ظهور مرض في مقدونيا .

وكان هذا المرض قد أصاب أطفال مدارس في الضاحية تيتوفا الألبانية. وفي الواقع ان الدكتورة سوزانا جاكاب استلمت تقارير من مندوبين ألبان عن حالات من التسمم الجماعي، عمدت السلطات المقدونية الى أنكارها .

وهنا قادت الدكتورة سوزانا جاكاب فريقاً مؤلفاً من طبيب أطفال ، وأخصائي في الأوبئة ، وطبيباً آخر في مجال السموم وخبيراً في الطب السريري. وكان الفريق قد قضى أسبوعين في المنطقة ، حيث تمكنوا من أخذ عيّنات تم إرسالها إلى مختبرات خارج البلاد لاجراء التحليلات اللازمة ، وعكفوا على التدقيق في التقارير التي قدمها المستشفى عن الحالة محل الدراسة ، وقد اجروا مقابلات مع العوائل المصابة وركزوا كثيرا في بحوثهم عما اذا كانت هناك مواد بيئية ملوثة قد تقودهم الى الوصول الى نتيجة ما.

 ولم يتوصل الفريق الى أي دليل يقود الى اسباب مادية لتأكيد حالة التسمم ، فاستنتج الاطباء والباحثون من أن المرض ناجم ربما عن إجهاد وضغوطات تعرض لها الناس في تيتوفا بسبب التوترات السياسية الشديدة السائدة في المنطقة . غير ان اللافت في ذلك ان التقرير الذي قدمه الفريق قوبل بالرفض من الجانب الألباني لاسيما انهم استمروا في تمسكهم بنظرية ان الحالة يقف ورائها التسمم وليس شيئاً آخر، وعلى الجانب الاخر أنكر المقدونين أن يكون هناك مناخ من  الخوف يسود الإقليم.

و مع ذلك ، فبعد أن اضطر الفريق الى ان يفسرنتائج بحثه  للعوائل ، بدأت أعراض المرض تتلاشى تدريجياً من الناس المصابين . وتوضح الدكتورة سوزان جاكاب في حديثها إن المنطقة التي تكثر فيها نظريات المؤامرة والخوف تكون أرضية خصبة للهستيريا الجماعية أو هستيريا الجماهير كما تسمى في المفهوم البحثي . وبالنسبة لمنطقة هي منطقة حرب ،يبدو من الصعب إنكار المزاعم التي تذهب الى القول ان هناك وسيلة سمّية تم استخدامها في الحالة الجماعية ، غير ان الدكتورة تعتقد ان الأمر يحتاج إلى مزيد من التحقق للتأكد  من حقيقة الحالة .

 وبحسب الدراسات العلمية فإن الهستيريا الجماعية ، أو المرض الوبائي غير المفسَّر طبياً ، من الحالات التي تم توثيقها منذ زمن يعود الى القرون الوسطى . ويقول سيمون ويسيلي ، مدير المركزالملكي لبحوث الصحة العسكرية في لندن إن تفشي مثل هذه الأمراضٍ يعكس اعتقادات المجتمع والناس المصابين بالحالة . وفي الماضي ، كان اللوم يقع على السحر  والتسلط الشيطاني و ما زال الحال هكذا في بعض المجتمعات التي تؤمن بمثل هذه النظريات . أما الان في عالمنا الصناعي ، فإن التلوث البيئي هو الأكثر ترجيحاً بحيث القاء اللوم عليه.

 في عام 2001 ، ابان هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي نفذتها القاعدة على الولايات المتحدة الامريكية ،كان الدكتور سيمون ويسيلي قد توقع حدوث المزيد من حالات التفشي لهذه الأمراض وذلك بسبب الخطر المضاعف للإرهاب ، وخاصةً ما يعرف بالإرهاب البايولوجي. وكانت الهجمة التي استخدم فيها الأنثراكس او الجمرة الخبيثة ، والتي تسببت في مقتل خمسة أشخاص ، هي الهجوم الثاني الذي يكون مساويا فقط من حيث الصدمة والقلق اللذين سببهما الهجوم على البرجين التوأم للشعب الأمريكي .

ويصنف الدكتور ويسيلي مفاصل حادة في مسلسل الهستيريا الجماعية ويصفها بتلك التي من النوع العضال . ويقول إن لديه صندوق ممتليء بتقارير النوع الأول ، والتي عادة تقع وسط أطفال المدارس ويجري التحقيق سريعاً فيها .

 وكما معروف ان الأعراض تتلاشى في غضون أيام ، وفي الحقيقة حالما يتم طمأنة المرضى باسلوب لطيف من أن السبب المتخيَّل الذي لديهم لا وجود له .في الواقع .اما حينما يحدث التفشي الجماعي على خلفية من الأذى الاجتماعي الذي تتعرض له شريحة معينة ، فإنه يمكن أن يستمر أطول من ذلك وقد يستغرق الامر أشهر حتى يمكن التخلص منه او نسيانه . ولاجل ان تصبح الحالة متأصلة أو صعبة ، فهنا قد يتطلب الامر من الأطباء المحليين ووسائل الإعلام ان يقوموا بتعزيز اعتقادات المرضى من أنهم قد تعرضون للتسمم بنية مبيتة.

 وفي الحقيقة ان ما حصل في شيلكوفسك الآنفة الذكر يمكن اعتباره امراً وثيق الصلة بهذا النوع. وسواء كانت حادثة الشيشان تشكل هستيريا جماعية أم لا ، فإن أعراض المرضى حقيقية بما فيه الكفاية .

وما يجده الناس صعب التصديق ، وترى الدكتورة سوزان جاكاب ، أن المرض المتصل بالقلق والخوف يمكن أن يحاكي بشكل تام ذلك المرض الذي ينجم عن سبب حقيقي . فعلى سبيل المثال في عام 1987 تمكن لصوص من سرقة علبة صغيرة تحتوي على كلوريد السيسيوم العالي الإشعاع -الذي كان يستعمل في العلاجات التي يستخدم فيها الإشعاع-- من مستشفى متروك في غويانيا في البرازيل .

وقد باعوا المادة إلى تاجر خردة ، معرِّضين عدداً من الأشخاص لجرعات عالية من الإشعاع من دون ان يعرفوا ماذا يفعلون . وقد جرت عملية تصوير لحوالي 112,000 شخص ووُجِد أن 250 شخصا كانوا ملوَّثين . ومع ذلك فإن التقارير اوضحت إن 5000 شخص آخر كانوا يتقيَّأون، ومصابون بإسهال وطفح جلدي وهي من الأعراض التي تنجم في العادة بسب مرض إشعاعي حاد.

و ترى الدكتورةسوزان جاكاب إن الجهاز الوظيفي الطبي يحتاج لأن يدرك أن سبب هذه الأعراض هو القلق الزائد ، وبالتالي يمكن معالجة المرضى وفقاً لهذا التصور . كما انه لدى منظمة الصحة العالمية في الوقت الحاضر تعليمات تبين ما يجب عمله في مثل هذه الحالة لأن مجرد الطلب من المرضى التوقف عن تلفيق الأمر لا يسرع في شفاء هؤلاء المرضى على الأرجح . ومن المستحسن ينبغي نقل المرضى من البيئة المسببة للإجهاد وإقناعهم  بأن لا شيء هناك يسممهم إلاّ مخاوفهم وقلقهم.

ومن المهم جدا أنه في هكذا حالات يكون الناس بحاجة للتوعية والإرشاد فيما يتعلق بالخطر الحقيقي للإرهاب البايولوجي، ويقول الدكتور ويسيلي :ان الجهل يولِّد الخوف . والخطر يكمن في أن تتعرض الخدمات الطبية والاجتماعية للعطب، وهذا ماحدث في البرازيل، حيث يأخذ الأمر وقتاً أطول لمعرفة ضحايا الحادث الحقيقيين . وعندها نقف عند السبب الحقيقي والمقنع من ان الذي يروج للحرب الكيميائية البايولوجية في واقع الحال يكون هدفه الحقيقي حرب سايكولوجية.