بقلم - سمير عواد:

يُقاس العظماء بأفعالهم وليس بكلامهم، وهذا التعبير الذي كتبه أحد فلاسفة العصر، ينطبق دون جدال على حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى. فهناك إجماع بين المسؤولين السياسيين في قطر وألمانيا وكافة الذين تابعوا زيارة سموه على رأس وفد سياسي واقتصادي رفيع المستوى إلى العاصمة الألمانية برلين في نهاية الأسبوع المنصرم، عند الحكم على نتائج الزيارة بأنها لم تحقق أهدافها فحسب، بل فاقت كل التوقعات.

منذ أكثر من 45 عاماً تربط دولة قطر وجمهورية ألمانيا الاتحادية علاقات دبلوماسية يمكن وصفها اليوم بأنها ممتازة. فهناك اتفاق بين قيادتي البلدين على مواصلة ازدهارها وتطورها وتنويعها لتشمل جميع مجالات التعاون، بحسب سعادة الشيخ سعود بن عبدالرحمن آل ثاني، سفير الدولة لدى ألمانيا، حيث كرر هذه العبارة في التصريحات التي أدلى بها قبل الزيارة إلى أبرز وسائل الإعلام الألمانية.

نقطة الوصل في هذه العلاقة التي تطورت بين الدوحة والمستشارين الألمان بدءاً بعهد المستشار فيلي برانت الذي تأسست العلاقات الدبلوماسية في عهده، مروراً بعهود المستشارين هيلموت شميت وهيلموت كول وجرهارد شرودر وتشهد قمة تطورها في عهد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وقالت ميركل عن حق «قطر صغيرة جغرافياً لكنها كبيرة جداً اقتصادياً»، وذلك في الكلمة التي ألقتها يوم الجمعة الماضي أمام أكثر من ألف من الشخصيات السياسية والاقتصادية من البلدين الذين لبوا دعوة اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألماني والمنتدى القطري الألماني للأعمال، للمشاركة في فعاليات منتدى قطر ألمانيا للأعمال والاستثمار الذي يعكس انعقاده للمرة الثانية في برلين بعد عام 2013، عمق وتميز العلاقات الاقتصادية على وجه الخصوص بين قطر وألمانيا.

موقف ميركل يستند على حقائق. لقد حققت قطر نقلة نوعية لمكانتها كبلد يشهد منذ سنوات طويلة نمواً اقتصادياً هو الأسرع من نوعه في العالم. قطر اليوم تحتل المرتبة الأولى في العالم كمصدّر للغاز المُسال. وبحسب تأكيدات ميركل فقد قررت حكومتها بحث مقترح قطري بإنشاء رصيف في أحد أكبر موانئ ألمانيا، ترسو فيه ناقلات تحمل الغاز المُسال، بحيث يكون خطوة هامة نحو تعزيز التعاون بين البلدين في مجال الطاقة، ومن شأنه أن يُعجل بخفض اعتماد ألمانيا على الطاقة النووية في تأمين احتياجها من الطاقة وتنوع مصادره.

جاء صاحب السمو الأمير الشاب، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، للمرة الثانية إلى ألمانيا، مرفوع الرأس، وقد تم استقباله بكل حفاوة وترحاب، وهذا نادراً ما يحظى به زعيم عربي يزور ألمانيا. العلاقات القطرية الألمانية خالية من المشاكل وتقوم على الاحترام والثقة المتبادلين، إنها علاقة الند للند، بين قطر المعززة بقوتها الناعمة وسجلها العريق في التدخل كوسيط نزيه عند حل النزاعات الإقليمية والدولية، وبين ألمانيا ثاني أكبر بلد مصدّر للبضائع في العالم بعد الصين، وأهم بلد في الاتحاد الأوروبي.

منذ يوم الجمعة بتاريخ 7 سبتمبر 2018 أصبحت قطر أكبر مستثمر خارجي في ألمانيا، بعدما أعلن سمو الأمير المفدى زيادة حجم الاستثمارات القطرية في ألمانيا لتبلغ في السنوات الخمس القادمة 35 مليار يورو، وتجاوزت بذلك استثمارات دولة الكويت التي تبلغ 27 مليار يورو. وما يميز الاستثمارات القطرية كونها تأتي ضمن استراتيجية طويلة الأمد. ويردد المسؤولون الألمان في كل مناسبة أن بلادهم ترحب بالاستثمارات القطرية لأن القطريين صادقون في تعاملهم مع العالم، لذلك يتمتعون بثقة حكومات ودول العالم وهو ما أشارت إليه ميركل وذلك خلافاً للاستثمارات الخارجية من بلدان مثل الصين وبعض الدول العربية.

وبتأسيس مجلس أعمال قطري ألماني دائم لمتابعة تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، يمكن القول إن سمو الأمير المفدّى والمستشارة الألمانية، منحا الضوء الأخضر للمضي بتنمية هذه العلاقات في كافة مجالات التعاون. وإلى جانب التعاون المُقبل في مجال الطاقة بين البلدين يدور الحديث عن مشروع قطري بإنشاء منطقة حرة تعفي الشركات الخارجية التي تفتح فروعاً فيها من الضرائب كما تمهد لها فرصة نادرة في توسيع نشاطاتها انطلاقاً من قطر لتعمل في أسواق شرق أوسطية وآسيوية.

وتكون قد خطت خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح نحو ضمان الرفاه للجيل القطري الراهن والأجيال القطرية القادمة من خلال تنويع اقتصادها بشكل لافت للأنظار.

يبقى الهم القطري المتمثل باستمرار الحصار الجائر على قطر، والذي لفت انتباه المسؤولين الألمان أن هذا الموضوع لم يحتل أبرز مواضيع البحث وهذا دليل ثقة قوية بالنفس. ينبغي على ألمانيا كأهم دول الاتحاد الأوروبي التي لديها أيضاً مشكلات مع الرياض وأبوظبي أن تكثف جهودها الدبلوماسية لإقناع دول الحصار بإنهائه دون قيد أو شرط. لقد خرجت قطر منتصرة مرفوعة الرأس وأقوى من أي وقت مضى من الحصار، بينما خلفت وراءها دوله الأربع تأكل أصابعها ندماً وحسرة على ما اقترفته من إثم ضد قطر قيادة وحكومة وشعباً ومقيمين.

 

مراسل الراية في برلين