بقلم : سمير عواد - مراسل الراية في برلين ..
حرمان القطريين من أداء فريضة الحج وهم على بعد كيلومترات من مكة، واستمرار فرض السعودية حصاراً جائراً يعد أمراً مخالفاً لشريعة الإسلام ولكل المواثيق والأعراف الدولية الموقعة عليها دول الحصار الأربع، واستمرار العنف المفرط ضد الشعب اليمني، علامات واضحة على استمرار ممارسة الرياض سياسة خارجية شرسة، ليس هناك ما يؤشر بنهاية قريبة لها.

وقد كانت البداية في صيف عام 2017 عندما حاولت الرياض ابتزاز قطر لإجبارها على العودة تحت مظلتها أسوة بالإمارات والبحرين. ثم تدخلت في الشؤون الداخلية للبنان عندما أجبرت رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري على الاستقالة من منصبه حين كان يزور السعودية ويُقال إنه وُضع حينها تحت الإقامة الجبرية، رغم أن أحد المطالب التي اشترطت على قطر الاستجابة لها هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

ومنذ أسابيع تمارس الرياض سياستها الشرسة عبر البحار واختارت كندا خصماً جديداً لها. وهكذا تسببت الرياض في عهد ولي العهد محمد بن سلمان الرجل القوي في السعودية، في فتح جبهات في المنطقة وخارجها مما يجعل المراقبين يتساءلون عن حق، إذا ما كان ولي العهد السعودي يُبالغ في تقدير سياساته، حيث يبدو أنه يُصر على مواصلة العمل بها بغض النظر عما أصبحت تسببه من تعرض بلاده لانتقادات من مختلف دول العالم ومن منظمات حقوقية دولية بسبب اضطهاده منتقديه في الداخل والزج أخيراً بناشطات سعوديات وراء القضبان والتهديد بقطع رؤوس بعضهن لمجرد أنهن عبرن عن آرائهن.

وأصبح واضحاً للعالم أن السعودية اليوم في قبضة رجل يمارس سياسة متهورة لا أحد غير الله عز وجل يعرف مؤداها. فقد أوضح النزاع الجديد مع كندا، أن محمد بن سلمان، يستغل قوة الاقتصاد السعودي لمعاقبة الدول التي تنتقد سياساته. وهو بذلك ينهج سياسة طبق الأصل عن سياسة الرئيس الأمريكي المثير للجدل دونالد ترامب وستيف بانون، الذي زرع الإيديولوجية المتطرفة في رأس ترامب.

ويذكر الذين شاركوا اجتماع الرياض في مايو 2017 عندما زار الرئيس الأمريكي العاصمة السعودية وأعطى السعوديين الضوء الأخضر للمضي بسياستهم المثيرة للجدل، أن بانون توجه إلى محمد بن سلمان وتصافحا بحميمية. بعد تلك الزيارة مباشرة بدأ وجه منطقة الخليج يتغير وتغيرت السياسة الخارجية السعودية بشكل جذري ولم تعد كما كانت في العهود الماضية، متزنة تراعي شؤون الشعب السعودي والشعوب العربية والإسلامية.

ومن الأخطاء التي وقعت فيها الرياض، إصرارها على أن انتقاد الحكومة الكندية انتهاك حقوق الإنسان في السعودية، عبارة عن تدخل في شؤونها الداخلية. وهنا نسي السعوديون أن حقوق الإنسان شأن عالمي، وانتقاد نظام ينتهك هذه الحقوق ويُمارس الاضطهاد ضد شعبه، أمر مشروع تضمنه المعاهدات والمواثيق الدولية. غير أن قمة الأخطاء التي ارتكبها السعوديون في النزاع مع كندا، كان الظهور المفاجئ لعدد كبير من الذين يسمون أنفسهم خبراء في الشؤون الكندية في أجهزة الإعلام السعودية الذين راحوا يصفون كندا بأنها تستغل الحديث عن حقوق الإنسان لتدعم الإرهاب الدولي. بمعنى أوضح، أن الرياض تعتبر المعارضين السياسيين السعوديين عبارة عن إرهابيين.

وفي اتصال هاتفي تم أخيراً بين كريستيا فريرلاند وزير خارجية كندا مع نظيره السعودي عادل الجبير، لم يرفض الأخير العرض الكندي بمناقشة النزاع لغرض حله وإنما هدد بفرض إجراءات جديدة ضد كندا مستغلاً صمت الغرب الذي تراعي دوله مصالحها الاقتصادية على ما يبدو أكثر من حقوق الإنسان، وقال إن اعتقال الناشطتين السعوديتين سمر بدوي ونسيمة السادة، تم بسبب اتصالهما بجهات أجنبية بمعنى أن المسألة لا تتعلق بحقوق الإنسان وإنما بالأمن الوطني للسعودية.

هذا هو أيضاً موقف محمد بن سلمان تجاه الانتقادات الدولية لقراراته المثيرة للجدل، ويستغل النزاع مع كندا ليوضح للعالم كله أنه لا يحب انتقاد سياساته وحتى الآن حقق بعض النجاح. واشنطن وحلفاؤها في أوروبا لم يقفوا إلى جانب كندا، لأن هذه الدول السباقة في رفع شعارات الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان تخشى حرمانها من الفوز بعقود في السعودية. والمأساة إذا استمر العالم يلتزم الصمت حيال انزلاقات الرياض الخطيرة.

فحصار قطر أنهك الاقتصاد السعودي وأدى إلى القطيعة بين العائلات والأصدقاء، ويدفع طلبة سعوديون ضريبة النزاع مع كندا لأنهم امتثلوا لأمر ولي العهد السعودي بمغادرة جامعاتهم في كندا رغم أن مستوى التعليم فيها أعلى من غيره في الدول التي تم توزيعهم عليها.

كما أن رؤية 2030 أصبحت مهددة بالفشل، بعد حملة الاعتقالات الأخيرة التي شملت أمراء وسياسيين سابقين، حيث أصبح الأثرياء في السعودية يودعون أموالهم في الخارج بينما تراجعت قيمة الاستثمارات الخارجية في السعودية إلى أدنى مستوى منذ أربعة عشر عاماً ووصلت في عام 2017 إلى 1،42 مليار دولار فقط. وزاد عدد العاطلين عن العمل بالذات بين السعوديين الشباب الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً وتبلغ حالياً 30%.

أما السياسة الخارجية السعودية فإن محمد بن سلمان يجد صعوبة بالغة في قيادتها واستعادة بلاده الثقة التي فرّط بها بسبب حصار قطر وحرب اليمن واضطهاد شعبه، ولا يمكنه إقناع أحد بأنه حقق النجاح في أي من قراراته المثيرة للجدل.