ترجمة- كريم المالكي:

هل صادف أن تبرّعت بكُليتك لشخص لم تقابله قطّ في حياتك؟ إنّ مثل هذه الفكرة؛ أي فكرة التبرّع بأحد أعضاء الجسد تُحيط بها أحكام البحث عن حقيقة النّفس وكيفيّة مُواجهة مخاطر مثل هكذا خُطوة، فضلاً عن الاستحقاقات والتّضحية والأنانيّة، ناهيك عن الألم الجسديّ الّذي تسبّبه الجراحة نفسها. لذا نجد أنّ عدداً قليلاً من النّاس قد فعلوا ذلك، والباحثون في جامعة جورج تاون الأمريكيّة يدرسون حالات مثل هؤلاء الكرماء، ليُقدّموا نموذجاً عن صفة الإيثار في عالم، يبدو أكثر ما يُهيمن عليه فلسفة نفسي أوّلاً.

وقد يأتي «الإيثار الاستثنائيّ»، كما يطلق عليه الباحثون، من الجميع، سواء فئات عمريّة أو عرقيّة أو اجتماعيّة. وهناك من ينظرون له نظرة دينيّة، والبعض الآخر ينظرون له من وازع إنسانيّ بحت أو غير ذلك. وفي أحدث دراسة نُشرت في الجارديان سنتعرّف على بعض الآراء والأشخاص الّذين تبرّعوا لناسٍ لا يعرفونهم، وكانوا كرماء خاطروا بأرواحهم ولم ينتظروا كلمة شكر ليُؤكّدوا أنّ التّبرّع بالأعضاء تعبيرٌ صادقٌ عن الطّيبة البشريّة لدى البعض.

لقد وجد الباحثون في الدّراسة، أنّ أولئك المُتبرّعين الكرماء لا يرون فرقاً في إنقاذ حياة شخص غريب أو قريب أو صديق مقرّب. وهو الأمر الذي جعل العلماء في حيرة حقاً بحيث تساءلوا عن السبب الّذي لا يجعل بقيّة العالم لا يرى الآخرين بذات الطريقة ولا ينظر للأمر بذات المفهوم.

سخاء المتبرّع

يقول كروتي م. فيكاريا، طالب دكتوراه في علم النفس وكان جزءاً من الفريق الذي أجرى دراسة نشرت في مجلة «نيتشر هيومان بهفيور»: إنّهم لا يرون، بالضرورة، في الأمر بطولة، أو أنهم ينبغي أن ينالوا الثناء لأنّهم يعتقدون أنّه شيء يجب على الجميع القيام به. وعندما سُئلوا مُباشرة عن سبب تخلّيهم عن كُلية لشخص غريب تماماً، يجيبون بأنّ ما قرّروه هو الخيار الواضح والصّحيح. ويضيف أبيجيل أ. مارش، وهو عالم نفسيّ في جورج تاون قاد فريق البحث: إنهم فقط يَبدون في حيرة، ويُواجهون صعوبة بالإجابة عن السّؤال. من الصّعب دراسة الإيثار(سخاء المتبرّع) لأنّ معظم أعمال التبرّع، كإعطاء الصدقة، تحمل بعض المنافع للمتبرّع، وحتى الإيماءات الصّغيرة، كالإمساك بالباب ليبقى مفتوحاً، تحدّدها إلى حدّ ما معايير اجتماعيّة. ولكن إجراءات الخضوع لعمليّة جراحيّة واحتماليّة تزايد خطر المشاكل الصحيّة المُستقبلية أمر مُؤلم ومُكلف ولا يخضع لأي معايير، ونادر للغاية ويفي بكلّ التّعريفات الأكثر دقّة للإيثار عندما يكون مُكلفاً.

الرّغبة بترك شيء يذكر

وتقول أنجيلا كوزو، 49 عاماً، من نيويورك، التي أعطت كُليتها لفتاة عمرها 25 عاماً من كاليفورنيا: عندما نلامس شيئاً ما شخصيّاً، يحدث ذلك عندما نتفاعل معه، ويجب أن نأخذ ذلك على عاتقنا، وأن نكون أكثر استعداداً وأن ندفع ذلك مقدماً قبل أن نلامسه نحن شخصيّاً.

وقالت كوزو إنّها كانت عازبة بدون أطفال وتمرّ بأزمة طفيفة في مُنتصف العمر عندما سمعت أحد زملاء العمل يُناقش عمليّة زرع الكُلى الرابعة لشقيقته. وبدأت تبحث في فكرة التبرّع بالكُلية واكتشفت أنه بإمكانها أن تُشارك في سلسلة التبرّع بالكلى إذا أعطتها إلى شخص غريب. وفي هذا النّظام، يُحاول المُنظّمون تحقيق أقصى عددٍ من الكلى التي يتبرّع بها صديق أو قريب لكل متلقٍّ بحيث تتطابق معه، ولكن الغرباء يمكنهم التبرّع كذلك.

وتقول كوزو: كنت في حاجة حقاً للتأكّد من أنّه قبل أن أغادر هذه الأرض يمكنني أن أساهم بطريقة أو بأخرى. وفي نهاية المطاف ذهبت كُليتها التي تبرّعت بها إلى امرأة كاليفورنيا، وليس لشقيقة زميلها بالعمل.

كُلية واحدة تكفي

ويقول روب أوفام، الذي أعطى كُلية لامرأة في عام 2009، إن هذه الفكرة راودته بعد مُشاهدة تقرير إخباريّ عن تبرّعات الكلى. وكان هو أقدم شخص دخل في سلسلة الانتظار.

ويضيف أوفام، 52 سنة، وهو مُدير موارد بشريّة لمُنظمة تقدّم خدمات لجمعية تعتني بالمشرّدين: مجرد أنني فكرت بالأمر، تساءلت لماذا لم تأتيني مثل هذه الأفكار من قبل؟ لدي اثنان من الكلى السليمة، ويمكنني إنقاذ حياة شخص ما، أو على الأقلّ تحسين نوعية حياة شخص ما. ومُعظم الناس يعيشون بمنزل خشبيّ، قد يحترق في أيّ لحظة، وبما أننا نعيش في هذا المنزل، فالحياة مليئة بالمخاطر.

وقال إنه لا يرى أن هناك شيئاً غير عادي فما فعله، وغير قلق أبداً بشأن صحته. كما لم يعانِ أحد في عائلته من مشاكل في الكُلى. وكان أوفام قد التقى المرأة التي تلقت كليته في المستشفى، بعد ثلاثة أيام من عملية الزرع، لكنها توفيت بعد ثلاثة أشهر بالسكتة الدماغية، ولم يندم، فقد ذهب إلى جنازتها ووصفه الجميع هناك بالشخص الملاك.

قوائم انتظار طويلة

وذكر طالب الدكتوراه فيكاريا الذي كان جزءاً من فريق الدراسة التي بحثت سخاء المتبرّعين أن هناك حوالي 2100 شخص تبرّعوا بكلاهم لغرباء من إجمالي 147 ألف متبرّع حيّ في وقت إجراء البحث.

وهناك نقص حاد في الأعضاء في الولايات المتحدة. ووفقاً للشبكة المتحدة لتقاسم الأعضاء، فإن 97727 شخصاً ينتظرون الحصول على كلى، وهناك 20 ألفاً آخرون بحاجة إلى كبد، قلوب، بنكرياس أو أعضاء أخرى. ويذكر أن التبرّع بالأعضاء غير قانونيّ في البعض من الأماكن في العالم.

الولايات المتحدة أوّلاً

ذكرت تقارير رسمية صينية أن عدد المتبرّعين الصينيين بالأعضاء قد وصل إلى 4080 شخصاً. وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى، من حيث عدد المُتبرّعين بالأعضاء، بينما جاءت الصين ثانياً، حيث أجريت حوالي 13 ألف عملية لزراعة الأعضاء البشرية، لتصبح في المرتبة الثانية عالميّاً على مستوى عدد الأشخاص المُنتفعين بالتبرّع بالأعضاء، وقد ارتفع مُعدّل نجاح عمليّات الزراعة بشكل كبير، وتجاوز مُعدّل الحياة لدى المرضى الّذين مرّت سنة واحدة على إجرائهم عمليات زراعة الكبد 95 بالمائة.

الإنترنت يشجّع التبرّع بالأعضاء في الصين

كبسة زر تجعلك تحصل على خدمات لا تُحصى في الصّين، فالخدمات المُتاحة على نطاق واسع في الصّين لم تعد تقتصر على التّوصيل والخدمات الاعتياديّة، فيُمكن الوصول إلى «خدمة ما بعد الموت: للتبرُّع بالأعضاء». وذكرت مصادر رسميّة أن عدد المُتقدّمين عبر الإنترنت للتّسجيل في هذه الخدمة كان مُساوياً للّذين سجّلوا في مكاتب الصّليب الأحمر في عامين.

وقد أطلقت مُؤسّسة الصّين لتنمية زراعة الأعضاء بدعم من اللجنة الوطنيّة للصّحة وتنظيم الأسرة، في وقت سابق آليّة للتبرُّع بالأعضاء عبر منصّة إلكترونيّة والّتي يوجد عليها 450 مليون مُستخدم.

ويُمكن لمُستخدمي المنصّة تسجيل أنفسهم بسهولة كمُتبرِّعين مُحتملين نظراً لأنها تطلب بيانات دقيقة عن الشّخص عند التّسجيل بها، وهو ما يوفّر جهد المُؤسّسة لجمع المعلومات عن المانحين المُحتملين والتحقّق منها. من جهته، قال كونج جيون لينج مُدير العلاقات العامة للمؤسّسة، إذا كان أحد يأسف على شيء، يُمكنه وهو على فراش الموت إدراج نفسه من خلال عدّة نقرات. وتابع كونج أنه بعد 3 شهور من العمليات بلغ عدد المُسجّلين كجهات مانحة على المنصّة 100 ألف شخص، والعدد مُستمرّ بالزيادة، ويُوجد في الصّين 300 ألف مريض يحتاجون إلى عمليّات زرع أعضاء سنوياً.

عن صحيفة الجارديان البريطانيّة