تقول صاحبة هذه القصة:

حين توفي زوجي ورحل عن عالمنا ترك لي 3 أطفال.. وحملني عبء تربيتهم ورعايتهم وحدي.. رحمه الله تعالى هو من تسبب في هلاك نفسه.. كان يهوى مغامرة سرعة قيادة السيارات.. لذا كان غالباً ما يذهب إلى الأماكن المُخصصة لممارسة هذه الهواية المميتة رغم نصحي ونصح الأهل له بعدم فعل ذلك حتى لا يجر على نفسه الهلاك.. وهذا ما حدث فراح ضحية السرعة المجنونة في القيادة ولا حول ولا قوة إلا بالله.. رحمه الله وغفر له.. فرحل هو.. وتركنا نعاني الألم والحزن لرحيله وفراقه.. ترملت في عز شبابي.. وتيتم الأطفال في سن هم بأشد وأمس الحاجة إليه..

حاولت بصعوبة بالغة التغلب على حزني وألمي من أجل أبنائي كي أقوم بالمهمة الصعبة والشاقة لتربيتهم وتنشئتهم النشأة السليمة.. كان عليّ أن أقوم بدور الأم والأب معاً دون مساعدة أحد معتمدةً على الله ثم على فطرة الأمومة التي تدفعني دفعاً لحمايتهم واحتوائهم وإغداق كل الحب والحنان عليهم حتى لا يشعروا باليتم.. أو النقص.. أو الدونية.. حاولت بكل ما أستطيع فعل ذلك حتى كبروا.. وشبّوا عن الطوق.. الولد الأكبر بلغ ٢٣ عاماً.. والأوسط ٢٠ عاماً والبنت وهي الصغرى وآخر العنقود 17 عاماً.. وأنا 47 عاماً.. فتقدم ابن عمي للزواج مني.. بعد أن تم الطلاق بينه وبين زوجته.. ويكبرني بعام ولديه ابنة واحدة ولم ينجب غيرها.. بصراحة فوجئت بطلبه.. كوني لم أفكر مطلقاً بالزواج بعد زوجي الراحل.. فضلاً عن أن أبنائي هم أهم ما لدي.. ورغم أنه مناسب ورجل جيد إلا أنني رفضت في البداية.. وجدت أن الأمر غير ممكن كوني في هذه السن وارتبط بآخر.. حتى تدخلت عمتي بالموضوع وشجعتني على القبول به.. فهو شخص لا يعوض على حد قولها.. وظلت تحاول إقناعي بالزواج منه حتى تعشعت الفكرة برأسي.. وبت أفكر وأعيد النظر في المسألة.. ولكني أعود وأعدل عن الفكرة هذه حينما أتذكر أبنائي.. هم كل حياتي.. وماذا أقول لهم..؟ وماذا سيكون رد فعلهم.. بالتأكيد سيرفضون وسوف يحتقرونني بمجرد التفكير في الأمر.

لكن المفاجأة أنهم أتوني ليباغتوني بالتهنئة وهم فرحون.. مسرورون من أجلي رغم أنني لم أخبرهم.. بل ولم ألمح لهم بهذا الموضوع.. إذا كيف علموا..؟

إنها عمتي الحنون والحكيمة أخبرتهم وأقنعتهم.. فهي تملك قدرة جبارة في محاولة إقناع الآخرين.. في الحقيقة شعرت بالخجل الشديد منهم وهم يأتونني لتهنئتي ومباركتي.. وأردفوا قائلين: إنك تعبت وضحيت من أجلنا.. والآن آن الأوان لتلتفتي إلى حياتك.. وهذا من حقك.. وليس من حقنا أن نرفض أو نعتب عليك.. فأخذوا يقبلونني.. وانسكبت دمعة من عيني.. لأن تربيتي لهم وتعبي من أجلهم أثمر نتيجة إيجابية وهي البر والتقدير.. ليت كل الأبناء يقدرون كل التقدير أمهاتهم اللاتي يتعبن ويضحين بحياتهن من أجلهم ومن أجل سعادتهم.. وأن يردوا لهن الجميل.. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.. والمعروف بالمعروف.