بقلم / أحمد ذيبان - صحفي وكاتب أردني :

لا أؤمن بعبادة الفرد، أو بمقولة «الحاكم الضرورة «، وتأبيد فترة حكم «الزعيم « حتى الممات! لكن أي مراقب لا يستطيع تجاهل الاهتمام الإقليمي والدولي، بفوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولاية رئاسية جديدة، وما أثاره هذا الفوز من ردود فعل واسعة، وجدل بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، خاصة في عالمنا العربي «السعيد»!، وهو اهتمام مرتبط بشخصية الرجل، ودوره في تعزيز دور تركيا السياسي والاقتصادي، وانتقالها في عهد حكم حزب» العدالة والتنمية»،إلى المرتبة «17» بين الاقتصادات العالمية!

وكان أكثر ردود الفعل السلبية تجاه فوز أردوغان، من قبل أطراف عربية، تزعم أنه يريد إنتاج» الإمبراطورية العثمانية»، وأن لديه أطماعا في السيطرة على العالم العربي، وهذه حجة سخيفة تعكس ضحالة تفكير من يروجون لها، وتجاهلهم المتغيرات الهائلة التي شهدها العالم، منذ انهيار الامبراطورية العثمانية ودولة الخلافة قبل مئة عام!

ويمكن تقسيم الأطراف العربية، التي شعرت بالإحباط بسبب فوز أردوغان، وحصد التحالف الذي يقوده أغلبية مقاعد البرلمان، إلى «شرائح»! كل منها «يغني على ليلاه»!

فهناك بعض دول الخليج السعودية والإمارات ومن خلفهما البحرين، التي بذلت جهودا مكثفة ودفعت أموالا كبيرة للإسهام في إسقاط الرجل، بضمن ذلك الضغط لتخفيض قيمة الليرة التركية، والتشكيك عبر وسائل إعلامها بنزاهة الانتخابات التركية، والتقليل من شأن نسبة الأصوات التي حصل عليها «7. 52%»! رغم أن هذه النتيجة عنصر قوة، وشاهد على نزاهة الانتخابات التي اعترف بها منافس أردوغان الرئيسي.

والمفارقة أن هذه الدول التي تنتقد وتشكك بالانتخابات التركية، لم تعرف انتخابات حقيقية في تاريخها، وقد عبر عن ذلك بسخرية مرة، أحد النشطاء على الفيس بوك بقوله: «السعودية تنتقد انتخابات تركيا، علما أن آخر انتخابات جرت فيها، يوم انتخب من كل قبيلة رجل، ليشارك في قتل الرسول صلى الله عليه وسلم «! لكن السبب الأهم لعداء دول الحصار لأردوغان، أنه وقف بقوة إلى جانب قطر في مواجهة الحصار، الذي فرضته تلك الدول عليها بذرائع واهية!

أما «الشريحة الثانية» المناهضة لأردوغان، التي تنتقد وتهاجم أي موقف له حتى لو قام بأداء الصلاة! فهو النظام السوري والسياسيون والكتاب والجماعات والميليشيات المؤيدة له، بسبب موقف أردوغان المعارض للجرائم، التي ارتكبها نظام الأسد بحق الشعب السوري، وتحويل ما يقارب من نصف سكان سوريا، إلى لاجئين في الخارج أو نازحين في الداخل!

أردوغان نجح بأغلبية بسيطة في انتخابات سجلت نسبة مشاركة غير مسبوقة، وربما لم تحدث في أي من الديمقراطيات العريقة «89» %! وذلك يؤكد حيوية وشفافية الانتخابات وحرية المنافسة بين الأحزاب والمرشحين، لكن لو ترشح الأسد اليوم حسب الطريقة المعروفة، لفاز بنسبة تزيد على «89 «بالمئة، رغم كل ما ارتكبه من جرائم بحق الشعب السوري وتشريد الملايين!

وثمة «شريحة ثالثة» اصطفت ضد أردوغان، وحركت ماكينة إعلامية غوغائية للردح ضد الرجل، بل والجزم مسبقا أن الانتخابات مزورة، وهي سلطة الانقلاب في مصر برئاسة السيسي، الذي فاز مؤخرا بنسبة «تسعينية»، بعد أن أقصى المرشحين الجادين أو زج بهم في السجن، رغم أنهم من رموز نظام مبارك الذي أنتج السيسي، وذلك مرتبط بموقف أردوغان الرافض لانقلاب السيسي، واستضافة تركيا للكثير من المصريين المطاردين والمعارضين للنظام!

لم يقتصر «عسر هضم» فوز أردوغان على الأطراف العربية المشار إليها، بل إن الإدارة الأمريكية والعديد من الدول الأوروبية، لم تكن سعيدة بفوزه بسبب السياسة الخارجية لتركيا في عهده، التي خرجت عن دور التبعية للغرب وأصبحت تقول «لا»، بصوت مرتفع كلما اقتضى الأمر!

شاء هؤلاء أم أبوا، فإن أردوغان زعيم له وزنه واحترامه ويحظى بتأييد شعبه، وفي عهده أصبحت تركيا لاعبا رئيسيا في القضايا الإقليمية، وكل هؤلاء الذين كانوا يتمنون سقوطه اعترفوا بالحقيقة وهنأوه بالفوز!

في عهد حكم حزب «العدالة والتنمية « تطور موقف تركيا كثيرا باتجاه دعم الشعب الفلسطيني، وعلى هؤلاء العرب أن يتذكروا الموقف الشجاع لأردوغان، عندما خاطب الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، في منتدى دافوس عام 2009 وقال له «أنتم قتلة أطفال فلسطين» وانسحب من الجلسة، بينما بقي أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، يفرك يديه ولم يحرك ساكنا!

 

Theban100@gmail.com