بقلم - سامي كمال الدين:

ما أبشع أن تشهد مذبحة لمدنيين أمام عينيك.. ولا تدري ستكون ضمن ضحاياها أم ستنجو.

الغريب أنك بعد أن تنجو وتكتب شهادتك عنها للناس والتاريخ تحذف من كل مكان تكتب فيه، كأنه كتب على هذه المذبحة أن تُمحى من قلوب وعقول الجميع إلا من شَارك فيها.

ربما تحفظ هذه الشهادة التي كتبتها يوم 16 أغسطس 2013 هنا على صفحات الجريدة، حيث تبقى الأوراق ذاكرة، ويبقى الأرشيف السلاح الأخير الذي يستخدم ضد الطغاة ويعطي عبرة وعظة لمن يأتي بعدنا:

« السلام عليكم «

قال لي شاب أربعيني يرتدي «تي شيرت» أزرق، يقف أمام مسجد الفتح، سبقت طلقة الخرطوش لساني وردت عليه.

أسرعت مع عدد من الشباب لحمله، قلت له في أذنه، ونحن نهرول به تجاه سيارة إسعاف تقف في شارع عماد الدين «وعليك السلام والرحمة والحرية».

لم يكن في المشهد ما يثير بداية الأمر، متظاهرين يمتلئ بهم مسجد الفتح عن آخره، امتدوا إلى ساحة المسجد، لم يبق مكان في قاع المسجد والساحة الخارجية، ففرشوا صفحات من صحف ليصلوا عليها.

في الساحة جلست وسط عدد كبير من المصلين، العرق يتصبب من جسدي، مد رجل ملتح ورقتين من صحيفة الأهرام المسائي لأضعهما فوق رأسي وقاية من الحر، رحت أتصفحهما، ابتسم الرجل، وضعتهما فوق رأسي. خطيب الجمعة كان صلاح سلطان تقريباً، الخطبة بسيطة عن الحق والعدل والظلم، لكنه ظل لأكثر من عشر دقائق بعد الركعة الثانية يدعو على من قاموا بالانقلاب. أثناء ذلك سمعنا ونحن في الصلاة صوت مظاهرة تهتف، يبدو أنها قادمة من منطقة ما.

ما إن سلم الإمام حتى بدأ الناس في الهتاف «إسلامية.. إسلامية» و»يسقط حكم العسكر»، سمعت صوت الناس داخل المسجد يطلبون الانتظار لصلاة العصر قصراً. صلى البعض والبعض الآخر وقف ينتظر خارج المسجد، طوال الوقت كان عدد من المراسلين وكبار الصحفيين الأجانب ينتظر في الساحة انتهاء المصلين من الصلاة.

بدأ أحدهم يكتب في منتصف الشارع بالبوية جملة «تتشل الأيادي في اللي فوض واللي دعم واللي قتل».

اكتظ الشارع بالآلاف من المتظاهرين فامتد من أسفل كوبري رمسيس أمام محطة القطار وحتى جريدة الجمهورية ثم امتد ليصل إلى مبنى فرع البنك الأهلي.

محلات الفلافل والأكشاك تفتح لمن يرغب في شراء مياه أو أكل.

بدأ الهتاف يتنوع، التفتّ عن يساري لمحت الدكتور سعد عمارة - أحد قيادات الإخوان المسلمين - حييته وبدأت أحدثه عن أخطاء مرسي والإخوان وما فعلوه بمصر وأنه كان يجب فعل كذا حتى لا نصل إلى هذا الموقف، تدخلت امرأة في الثامنة والثلاثين من العمر، محجبة، لتقول لي هناك ناس تندس بيننا لتوجه المظاهرات وجهة أخرى، لابد من عودة مرسي والشرعية، قلت لها مبتسماً: الشرعية ومرسي يخصان حضرتك، لم أنزل لأجل محمد مرسي ولا أعطيته صوتي، ولا أريده أن يحكمني، نزلت لكي أحميك من القتل.

عبرت بيننا جميعاً دقيقة صمت بينما علا الهتاف من زاوية أخرى.

شمس أغسطس الحارقة أذابت رؤوس المتظاهرين، بدأ بعض الشباب يملأ زجاجات مياه ويرشها على الناس.

كاد صوت الهتاف يصل إلى عنان السماء، لكن فجأة ظهر صوت آخر طغى على كل شيء، طائرة تحلق فوق الميدان، تلف حوله، تهبط ثم ترتفع، هتف من في الميدان «يسقط يسقط حكم العسكر»، بعد دقائق معدودة انهمر الرصاص من اتجاه قسم الأزبكية وشارع الجلاء وكوبري 15 مايو، أخذت أجري في كل اتجاه، حتى وصلت إلى مدخل شارع عماد الدين من ناحية رمسيس، عادت نفس الطائرة العسكرية تحلق في كل اتجاه، جرى ناحيتنا شاب وهو يقول احذروا الطائرة تهبط ثم تطلق الرصاص الحي على المتظاهرين، قلت له نحن ضد العسكر وأنت شكلك إخواني لا تفعل مثلهم وتزيّف الحقائق. قبل أن أنهي جملتي بدأت الطائرة تحلق على ارتفاع منخفض، دفعني الشاب أمامه، هرولنا قلت له أنت مجنون، هي أكيد بها مصورون لالتقاط صور لمسلحين بينكم، قال لي نحن سلميون. قلت أعرف ذلك، لو وجدت بينكم مسلحاً واحداً سوف أمشي.

لكن صدق الشاب، بدأ قناصة من الطائرة يطلق الرصاص، سقط رجلان، لم يستطع أحد العودة، حلقت الطائرة إلى أعلى، عدنا إلى الرجلين لإنقاذهما، لكن الموت كان أسبق.

عادت الطائرة مرة أخرى، في داخلي يقين يؤكد أن الجيش المصري من المستحيل أن يقتل مواطناً مصرياً ولو كلفه الأمر حياته، أطللت برأسي من مدخل العمارة، بالتأكيد أحد ما يضرب من شرفة منزل، ضد العسكر على طول الخط أنا، لكني أثق أن جيشي لن يقتلني، ثبتّ عيني على الطائرة، انطلقت رصاصة منها جاءت في حديد شرفة في شارع عماد الدين.

ما إن ابتعدت الطائرة حتى هرولنا في داخل شارع عماد الدين، لكن كان ثمة طائرة أخرى، عدنا أدراجنا، بدأت الطائرة في الهبوط، سوف تضرب.. سوف تضرب. صرخنا، تلاحق الضرب، لكن كان هناك مشهد أقسى من الضرب، الطائرة يهبط منها قناصة فوق سطوح إحدى العمارات !!

بدأ الرصاص يتواصل لأكثر من نصف الساعة دون انقطاع، مع تصاعد الدخان بسبب قنابل الغاز، هاتفني الإعلامي شريف منصور وأخبرني أنه وصل من بلدته الشرقية إلى رمسيس، حيث كنت قد هاتفته لنلتقي في المظاهرات، عبرت والزميل محمد أبو زيد الصحفي بالشروق إلى الناحية الأخرى أمام مستشفى الهلال حيث يوجد شريف لكن ضرب النار بدأ بلا انقطاع، مع قنابل الغاز المسيل للدموع والخرطوش، والطائرة المحلقة فوق الميدان.

ما إن حملت قدمي من مكانها حتى استقرت رصاصة مكان قدمي، تقريباً مشيت بشكل أمامي وعكسي في وقت واحد..!

هرولت إلى جامع الفتح، كانت جثث المصريين فوق أي احتمال، وفوق أي دموع، وفوق العد، خرجت من مسجد الفتح، وعدت إلى شارع خلفي لأجد امرأة ستينية تقف فوق سطوح عمارة وتستجير بالله من السيسي، صورتها فيديو ثم اتجهت إلى شارع خلفي آخر لأشتري بيبسي أغسل به وجهي، بعد نصف الساعة قررت العودة لكني فوجئت بخبر على تويتر أن الشرطة حاصرت مسجد الفتح، وتمنع الخروج والدخول منه.

في منتصف شارع عماد الدين وجدت بعض البلطجية الذين يصطادون أي قادم من المظاهرات لضربه وتسليمه للجيش، أخذ بطاقتي وكرر سؤاله: هل أنت مصري؟ عدة مرات، قلت له: هذه البطاقة لا تستخرج إلا للمصريين.

لم يكن ما شاهدته يوم الجمعة 16 أغسطس 2013 مجزرة أو مذبحة، بل يفوق الوصف والمسمى.

 

إعلامي مصري

@samykamaleldeen