تصاميم الـ«جيبني» الجديدة أكثر أماناً لكنها أقل إبداعاً وجنوناً

ترجمة - كريم المالكي:

الـ«جيبني» ليست سيارة تقليدية وحسب بل أيقونة الفلبينيين التي تصنّع يدوياً وتحظى بشعبيّة كاسحة كونها وسيلة نقل رئيسية للفقراء. إنها ليست شاحنة ولا «باص» بل سيارة صغيرة مفتوحة من الخلف لا توجد فيها وسائل راحة وترفيه، تشتهر بزينتها المميّزة، لكنها الوسيلة التي يعتمد عليها 40% من فقراء مانيلا والمحافظات المجاورة خصوصاً أن كلفة ركوبها 16 سنتاً، وهو مبلغ زهيد جداً قياساً باستخدام الحافلة أو القطار في التنقل.

وبسبب قوانين جديدة شملت معايير تتعلق بحجم المركبة وجودة محرّكها، فإنها مهدّدة بالانقراض مع سعي الرئيس الفلبيني إلى سحب آلاف منها من الشوارع، بذريعة أنها تزيد من نسب التلوّث والازدحام بالشوارع والمدن علماً أن ذلك بالمقابل يُعرّض سائقيها إلى البطالة والفقر.

الـ«جيبني» التي يملكها ألفين أوكامبو، والتي عمرها 18 عاماً ربطت لوحة القيادة فيها بكماشة، وامتيازها الوحيد الذي تكافح به حرارة مانيلا الخانقة مروحة مربوطة إلى السقف.

الأولى رغم كل شيء

ولا تحتوي الجيبني على أي ميزات للسلامة يمكن التحدّث عنها باستثناء صفيحة معدنية مقفلة ركبها أوكامبو كبديل عن باب السائق الذي سرقته عصابة من المراهقين يستنشقون الغراء.

ومع ذلك تجد عشرات الركاب ما زالوا يجدون ضالتهم بركوب الجيبني، وهي واحدة من آلاف شاحنات الركاب المنتجة محلياً التي تعدّ أيقونة المرور في مانيلا رغم أنها سيارة ملوّثة للشوارع بامتياز لاستخدامها وقود الديزل. ويجلس ركابها العشرون الذين يصعدون على متنها لصق بعضهم على مقاعد تمتدّ على طول السيارة. وتمسك النساء بحقائبهن بأحضانهن، فيما يضع بعض الركاب مناديل على أنوفهم لتجنب الهواء الناقل للروائح عبر النوافذ المفتوحة.

على مدى عقود، ظلت الـ»جيبني»، التي أعيد إنتاجها من سيارات الجيب الأمريكية في حقبة الحرب العالمية الثانية وتمت زخرفتها وتصميمها بريشة فنان، من أكثر وسائل النقل استخداماً في الفلبين، ما جعلها تنال لقب «ملكة الشارع».

التخلص من الأيقونة

ويقول راعي الـ»جيبني» أوكامبو، 38 عاماً، إن مكانتها في شوارع الفلبين وفي الثقافة تتعرض للهجوم بسبب ما يقوم به دوتيرت. لقد هدد الرئيس رودريغو دوتيرت بالتخلص التدريجي من الجيب التقليدية، وهي خطوة من شأنها أن تضرّ بشعبية الرئيس لأنها تستهدف الفقراء الذين يركبونها وسائقيها. وأشار الرئيس دوتيرت، الذي يعمل على تطوير البنية التحتيّة، إلى أن أحد الأهداف الرئيسية لإدارته، هو التخلص من نوعيّة الهواء الملوّث في العاصمة وحركة المرور المروعة.

ووفقاً لمسح أجري، فإن مانيلا لديها «أسوأ حركة مرور على الأرض»، والتنقل لبضعة أميال يمكن أن يستغرق ساعات. ويؤكد بعض النقاد أن الـ»جيبني»، التي تفتقر عادة إلى أحزمة الأمان، ليست آمنة. ولقي مؤخراً 20 شخصاً، بينهم 3 أطفال، مصرعهم في حادث في شمالي الفلبين.

وقد لاقى اقتراح الرئيس دوتيرت الذي أطلقه في أكتوبر، يومين من الإضراب من قبل سائقي الـ»جيبني» مما أدّى إلى إلغاء الدراسة وتعليق العمل في المكاتب الحكومية. ويقول السائقون إن إزالة الـ»جيبني» ستحرمهم سبل عيشهم، وتقضي على أعمالهم الصغيرة.

ما بين التحديث والتسويق

وقد طلبت وزارة النقل بدائل حديثة للـ»جيبني» لتكون مزوّدة بمقاعد مبطنة، وأبواب فتح جانبية، وتكييف هواء ومحرّكات كهربائية. وتهدف المركبات الجديدة، التي تشبه كثيراً الحافلات التقليدية وليس الـ»جيبني»، للحدّ من التلوّث وتحسين الراحة والسلامة، وجعل النقل العام أكثر سهولة لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

وقالت يانا باديلا، 24 عاماً، وهي مساعد إداري تصل إلى مكتبها في ساعتين بواسطة الـ»جيبني»، إنها ستفتقد السيارة الكلاسيكية «أيقونة الفلبين»، لكنها على استعداد لركوب السيارة الجديدة الأفضل. ولن يؤدّي تحديث سيارة جيب إلى تحسين حركة المرور فقط، ولكن برنامج الحكومة يهدف أيضاً إلى تنظيم الطرق بشكل أفضل كجزء من جهد أكبر لتحسين وسائل النقل العام في مانيلا.

لكن ليس الجميع مقتنعين، وقال جورج سان ماتيو، رئيس مجموعة دعم السائقين في شركة جيبني بيستون، عن اقتراح السيد دوتيرت: نحن لا نعتقد أنها خطة تحديث بل إنها برنامج تسويقي للمركبات التي تجبر المشغلين الصغار على الشراء.

الجديدة تكلفتها عالية

وكان الرئيس دوتيرت قد هدّد في البداية بإزالة الجيبني في بداية يناير، إلا أن إدارة النقل تراجعت عن الموعد النهائي. ومؤخراً، بدت بطيئة في تعاملها مع السيارات القديمة من الجيبني وكذلك فيما يتعلق بخطط تمويل السائقين وأصحاب السيارات الذين من المرجح أن يفقدوها. ويرى النقاد أن التمويل الذي تخطط الحكومة لتوفيره سيقتصر على ما سيحتاج إليه السائقون لشراء سيارات جيب جديدة.

وتكلف سيارة الجيبني حالياً حوالي 500 ألف بيزو، أو 9900 دولار، ولكن المركبات النموذجية متوقع أن تتراوح تكلفتها من 1.2 مليون إلى 1.6 مليون بيزو (حوالي 24 ألف دولار إلى 31 ألف دولار). وستكون تصاميم الـ»جيبني» الجديدة، أكثر أماناً لكن أقل إبداعاً وجنوناً في المظهر.

وطبقاً لدراسة أجرتها السيناتور جريس بو، رئيسة لجنة الخدمات، فإن السيارات الجديدة قد تكلف ما يصل إلى 2.1 مليون بيزو مع الفوائد، وهو مبلغ يتجاوز بكثير الـ 80 ألف بيزو الذي تخطط الحكومة لتخصيصه للمساعدات المالية. وقالت بو إن الميزانية المقترحة ستكون كافية لتحديث 25 ألفاً فقط من 234 ألف جيب في البلاد.

تصنيع يدوي

وأضاف رئيس مجموعة دعم السائقين ماتيو، إن التكاليف ستجبر أصحاب الأعمال الصغيرة والسائقين على الديون أو تجعلهم عاطلين، وتفتح الباب للشركات الكبيرة للسيطرة على هذه الصناعة. وبدلاً من الاشتراط على أصحاب الأعمال الصغيرة شراء سيارات جديدة، قال ماتيو يريد المالكون أموالاً لتوجيهها نحو تحديث الـ»جيبني» الحالية، وأن تعمل الحكومة على دعم صناعة وطنيّة لصنع السيارات.

وقال اديسون لاو، مدير ارماك موتورز، الشركة المصنّعة للجيبني، التي أسسها والده قبل 39 عاماً، إن الجيب ترمز إلى براعة الفلبينيين. وعلى مر السنين، عمل لاو على إحداث تحسين بسيط بالتصميم الكلاسيكي للجيبني. وبصرف النظر عن المحرّك، الذي يتم الحصول عليه مباشرة من شاحنات يابانية، فإن سيارات أرماك جيب، مثل معظم الجيبني في الفلبين، يتم إنتاجها محلياً باليد. وفي مصنع السيد لاو هناك لحامون، وملمعو فولاذ، ومتخصصون برفرف العجلات وخياطو مقاعد وغيرها من أجزاء السيارة. وقال السيد لاو: إن من يصنعون الجيبني هم من الحرفيين ذوي الخبرة حقاً.

ليس مع الفقراء

فيكتورينو كابونو، 52 عاماً، الذي عمل في شركة أرماك موتورز كرسّام لمدة 30 عاماً، قال كانت السيارات، في الثمانينيات، ترسم باليد، وحالياً، رسومات السيارات الرياضيّة الإيطالية بأجهزة الرش هي الشائعة. وأضاف إنه رسم أكثر من ألف صورة لرموز دينيّة وسفن شحن وخيول ونسور وشخصيات كرتونية وشعارات وتسرد الرسومات الموجودة على كل مركبة قصة خاصة بالسائق أو المجتمع الفلبيني. عموماً فإنه بدون دعم الحكومة، لن تستمرّ الأيقونة إلى جيل آخر.

وفي الوقت الذي ينظر للسائقين ككتلة من الطبقة العاملة تدعم بشكل كبير الرئيس دوتيرت، يبدو نهجه بمعالجة المشاكل داخل هذه الصناعة ينمّي الاستياء. وقالت سوزان غوردو، 50 عاماً، تملك سيارتين جيبني، إن الرئيس أظهر بأنه ليس مع الفقراء. ومع ذلك هناك من يدعم برنامج التحديث لأنه سيقلل التلوث، شريطة أن تساعد الحكومة السائقين ومالكيها، وهناك من يعي بأن رئيس الفلبين يريد جعل الأمور أفضل، والناس لا تمانع بمن سينال الضربة.

عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية