الدوحة- الراية: أكّد فضيلة الداعية د. ضيف الله عمر سالم أن حب الوطن من الأمور الفطرية التي جُبل الإنسان عليها، مشيراً إلى أنه ليس غريباً أبداً أن يُحب الإنسان وطنه الذي نشأ على أرضه، وشبَّ على ثراه، وترعرع بين جنباته.

وقال إنه ليس غريباً أن يشعر الإنسان بالحنين الصادق لوطنه عندما يُغادره إلى مكانٍ آخر، لافتاً إلى أن هذا ما هو إلا دليلٌ على قوة الارتباط وصدق الانتماء.

وأوضح في محاضرة عن حب الوطن أن الإنسان بلا وطن هو كيان بلا روح، والإنسان بلا وطن جسد بلا إحساس، مؤكداً أن الفاقد للوطن فاقد للأمن والاستقرار، والفاقد للأمن والاستقرار فاقد للاطمئنان.

الحبيبة قطر
وأضاف د. ضيف الله: الوطن بلا أمن واستقرار غابة يعيش فيها القوي ويهان فيها الضعيف، ونحمد الله على الأمن الذي نعيشه في الحبيبة قطر أدام الله أمنها واستقرارها وكفاها الله شرّ الماكرين والحاقدين والحاسدين.

وتابع: حتى يتحقق حب الوطن عند الإنسان لا بُد من تحقق صدق الانتماء إلى الدين أولاً، ثم الوطن ثانياً، إذ إن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحُث الإنسان على حب الوطن؛ ولعل خير دليلٍ على ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف يُخاطب مكة المكرمة مودعاً لها وهي وطنه الذي أُخرج منه:" ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ).

حب الوطن
وأشار إلى أنه لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُعلم البشرية يُحب وطنه لما قال هذا القول الذي لو أدرك كلُ إنسانٍ مسلمٍ معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صوره وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظاً تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر.

ونقل د. ضيف الله عن الإمام الغزالي قوله: "والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفراً مستوحَشاً، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص".

تخالطه الأكدار
ولفت إلى أن الوطن هواؤه عليل ولو كان محمَّلاً بالغبار، وماؤه زلال ولو خالطه الأكدار، وتربتُه دواء ولو كان أرضاً قفاراً، مشيراً إلى أنه ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية: (باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا).

وذكر أن البشر يألفون أرضهم التي تربوا وترعرعوا فيها، مضيفاً إن حب الأوطان غريزةٌ متأصلة في النفوس تجعل الإنسان يستريح للبقاء فيه ويحن إليه إذا غاب عنه ويدفع عنه إذا هوجم ويغضب له إذا انتقص.

المفهوم الطبيعي
ونوه بأن الوطنية بهذا المفهوم الطبيعي أمرٌ غير مستغرب، مشيراً إلى أن الولاء له مشاعر إنسانية لا غبار عليها ولا اعتراض، ولا يجوز أن تكون مفهوماً مشوهّاً يعارض به الولاء للدين، مضيفاً إن الإسلام لا يغير انتماء الناس إلى أرضهم ولا شعوبهم ولا قبائلهم.

وقال: فكيف إذا كان هذا الوطن هو جوهرة العرب في العصر الحديث في جماله وبهائه وهو كذلك قبلة المضيوم وملاذ المظلوم وفزعة المكروب وغوث المحتاج، مضيفاً إنه يكفيه فخراً أن الله حباه بحكام يخشون الله بذلوا كل ما يستطيعون من جهد ومال لبناء هذا البلد وتطويره حتى صار في مصاف الدول المتقدمة والمتطورة في كل المجالات بلا استثناء في مجال التعليم بكل مراحله من الأساسي وحتى فوق الجامعي وفي المجال الصحي والإنشائي وفي مجال الأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي.

أعظم النعم
ولفت د. ضيف الله إلى أن هذه النعمة التي حبانا الله بها في هذه البلاد المعطاءة والطيبة من أعظم النعم التي من الله بها على قريش وذكرهم سبحانه بها ليخلصوا له في وحدانيته ويجتهدوا في عبادته (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).
وأضاف: لنا أن نتساءل ما هو حق الوطن الذي نعيش فيه ونتنعم بخيراته ونستنشق هواءه ونستظل بظله؟ مضيفاً: الجواب في حقيقته معلوم فقد فطر الله الإنسان بالتأثر بالبيئة التي ولد فيها، ونشأ على ترابها، وعاش من خيراتها.

حقوق الوطن
وأكد أن لهذا الوطن حقوقاً وواجباتٍ كثيرةً تتمثل في حقوق الأُخوة، وحقوق الجوار، وحقوق القرابة، وغيرها من الحقوق الأُخرى التي على الإنسان في أي زمانٍ ومكان أن يُراعيها وأن يؤديها على الوجه المطلوب وفاءً وحباً منه لوطنه.

وأضاف: إذا كانت حكمة الله تعالى قد قضت أن يُستخلف الإنسان في هذه الأرض ليعمرها على هدى وبصيرة، وأن يستمتع بما فيها من الطيبات والزينة، لاسيما أنها مُسخرةٌ له بكل ما فيها من خيراتٍ ومعطيات؛ فإن حُب الإنسان لوطنه، وحرصه على المحافظة عليه واغتنام خيراته؛ إنما هو تحقيقٌ لمعنى الاستخلاف الذي قال فيه سبحانه وتعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا).