أحمد ذيبان - صحفي وكاتب أردني : 

حسب ما أذكر لم يسبق أن استمرت مشاورات تشكيل حكومة أردنية 11 يوما، كما هو حال حكومة الدكتور عمر الرزاز، ومع ذلك كانت المخرجات محبطة، لا تختلف عن الحكومات السابقة، رغم سقف التوقعات المرتفع، الذي راهن عليه الرأي العام والتفاؤل بشخصية الرئيس، من حيث الدماثة والمؤهلات الأكاديمية وتنوع الخبرات.

أمر طبيعي أن تحدث مشاورات ومفاوضات، لتشكيل حكومات تضم ائتلافات حزبية في الدول الديمقراطية، ربما تستمر بضعة أشهر في بعضها، حسب مخرجات الانتخابات البرلمانية التي تتنافس فيها أحزاب سياسية، لكن فيما يتعلق بالحالة الأردنية لا توجد معايير واضحة، بشأن كيفية تشكيل الحكومات واختيار الوزراء، حيث لا يوجد أحزاب لها حضور مؤثر في البرلمان، يمكن أن تشكل حكومة على قاعدة الأغلبية، كما لا يتم إجراء «مسابقات» مثلا، يتنافس فيها أصحاب المؤهلات والخبرات والطامحين بالحقائب الوزارية!

ما يحصل هو اجتهاد الرئيس في اختيار الوزراء وفق معرفته الشخصية، ومشاركة جهات نافذة في الدولة بترشيح بعض الأسماء، وتوزيع الحقائب على أسس مناطقية واجتماعية واقتصادية وعشائرية.. إلخ، وفي كل الأحوال لابد أن تقابل تشكيلة أي حكومة جديدة بالعديد من الانتقادات، منها ما هو موضوعي وبعضها شخصي، كما حدث من ردود فعل على تشكيلة حكومة الرزاز، من قبل أوساط سياسية ونيابية، ومن قبل الرأي العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وهذا مدخل للحديث عن ضرورة الإسراع بإجراء إصلاح سياسي حقيقي، يقود إلى إحداث تغيير آلية تشكيل الحكومات، وذلك يتطلب إدخال تعديلات جوهرية على قانوني الانتخاب والأحزاب، فهناك أكثر من «50» حزبا سياسيا مرخصا، لكنها على أرض الواقع غير فاعلة وليس لها حضور في البرلمان، باستثناء حزب جبهة العمل الإسلامي، حيث قانون الانتخاب يضيق الخناق على تنمية الحياة السياسية، ويحرم الأحزاب من فرص زيادة حصتها في البرلمان.

التحديات أمام الحكومة كبيرة جدا، متداخلة بين الاقتصادي والسياسي، وها هي النتائج ماثلة للعيان.. خراب اقتصادي ومالي، يتمثل بمديونية هائلة تتناسل وصلت إلى «40» مليار دولار وعجز مالي يتزايد، وانتظار المساعدات والمنح الخارجية التي لا تقدم لوجه الله! كانت مفاجأة صادمة للرأي العام أن نائب رئيس الوزراء الدكتور رجائي المعشر أعلن قبل أيام خلال اجتماعه مع رجال أعمال أن الحكومة تقترض من أجل دفع الرواتب!

وكثيرا ما يتم تبرير الأزمة المالية والاقتصادية، بالحروب الإقليمية وإغلاق الحدود مع دول الجوار خاصة العراق وسوريا، والعبء الناجم عن الهجرة السورية، ورغم أهمية ذلك لكن الحقيقة أن الأزمة متراكمة، وتدحرجت مثل كرة الثلج منذ ثلاثة عقود، وأذكر أن رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة، أطلق «صرخة مدوية» عام 1999، حيث أعلن أن الاقتصاد الأردني «في غرفة الإنعاش»!

حينذاك لم تكن في سوريا حرب أهلية، ولم تتدفق على الأردن أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين، وكانت الحدود مفتوحة والتبادل التجاري قائم، وسبقت «صرخة الروابدة» غزو العراق الذي وقع عام 2003، وما تمخض عنه من نتائج كارثية، بل كان العراق يقدم للأردن النفط، بأسعار تفضيلية وجزء منه مجاني! وفي ذلك الوقت لم يكن ثمة حديث عن «صفقة القرن»، وضغوط على الأردن بشأن قضية القدس والوصاية الهاشمية على المقدسات!

وبعد مرور «18»عاما على تصريحات الروابدة،لا يزال الاقتصاد في «غرفة الانعاش «، إن لم يكن في غرفة «العناية الحثيثة»، بمعنى أن هناك سوء إدارة لشؤون الدولة، تتحمل مسؤوليته جميع الحكومات التي تولت المسؤولية منذ التسعينات، فضلا عما يتحدث به الرأي العام عن ملفات فساد لم يتم التعامل معها بجدية! والناس تنتظر نتائج ملموسة تتعلق بتحسين مستوى معيشتهم، وليس إعلان «نوايا حسنة» وتصريحات بصيغة «سوف»!

لا مجال بعد اليوم لإخفاء شيء عن الناس، وقد أصبح العالم أشبه بـ «كرة زجاجية» بفضل ثورة التكنولوجيا الرقمية، ومنصات التواصل الاجتماعي التي أتاحت للجميع هامشا واسعا للنقد والتعبير عن الرأي، وكشف المعلومات بجرأة غير معهودة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تسريب الوثائق، تتعلق بحصول بعض الوزراء وكبار المسؤولين على «معلولية» لرفع تقاعدهم، وذلك أحد أوجه الفساد الإداري!

 

Theban100@gmail.com