الدوحة - الراية : حذر فضيلة الداعية د.محمود عبدالعزيز يوسف من عواقب الاستعجال، مشيراً إلى أنه من الصفات المذمومة والخطيرة على المسلم، وقال إنه رغم أن الاستعجال صفة فطَر اللهُ الإنسان عليها، إلا أنه سبحانه وتعالى حذَّرنا من خطورتها، فقال جل وعلا في كتابه العزيز الله (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) وقال سبحانه: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ). وأوضح د.محمود عبدالعزيز أن الاستعجال نوعان، إما استعجال مذموم، أو استعجال محمود، مبيناً أن من أوجه الاستعجال المذموم ما يكون عند الدعاء عندما يسارع البعض بالدعاء بالشر، على النفس أو الولد أو الدواب أو الاستعجال في تمني سرعة الاستجابة أو في الاستعجال في إصلاح الناس وتغيير واقعهم.

الدعاء بالشر

وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الدعاء بالشر على النفس أو الولد أو الدواب وحذَّر منه، لافتاً إلى ما ورد في صحيح مسلم عن أحد الصحابة، قال: سِرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بُوَاطٍ، وهو يطلب المَجْدِيَّ بنَ عمرو الجهني، وكان الناضح يعقبُه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه فركبه، ثم بعثه، فتلدن عليه بعض التلدُّنِ، فقال له: شَأْ! لعنك الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن هذا اللاعنُ بعيرَه؟)، قال: أنا يا رسول الله، قال: (انزل عنه، فلا تصحَبْنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسأَلُ فيها عطاءً فيستجيب لكم). وفيما يتعلق باستعجال استجابة الدعاء أورد د.محمود عبدالعزيز ما روى أبو هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال يُستجابُ للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعةِ رَحِمٍ، ما لم يستعجل)، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: (يقول: قد دعوتُ، وقد دعوتُ، فلم أرَ يستجيبُ لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَعُ الدعاء).

العجلة في الصلاة

وذكر أن من أوجه الاستعجال المذمومة العجلة في أداء الصلاة سواء أكانت هذه العجلة في الانتهاء منها أم الاستعجال خلفَ الإمام في سَبْقِه. وأورد د.محمود ما ورَدَ عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الشأن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلَّى، فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فردَّ وقال: (ارجع، فصَلِّ؛ فإنك لم تصلِّ)، فرجع يُصلِّي، كما صلَّى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ارجِعْ، فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ) ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، ما أُحسِنُ غيرَه؛ فعلِّمْني، فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها).

تغير واقع الناس

وأشار د.محمود إلى أن من أوجه الاستعجال المذمومة استعجال بعض المصلحين في إصلاح الناس وتغيير واقعهم، مشيراً إلى ما روى البخاري وغيره، عن خباب بن الأرت رضى الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسِّدٌ بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألاَ تستنصر لنا؟! ألاَ تدعو لنا؟! فقال: (قد كان مَن قبلَكم يُؤخَذُ الرجلُ فيُحفَرُ له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمِنشار، فيوضعُ على رأسه، فيُجعَلُ نصفَيْنِ، ويمشَّطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمِه وعظمِه، ما يصدُّه ذلك عن دينه، واللهِ ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتَ، لا يخافُ إلا اللهَ، والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون). وبيّن أن من أشكال الاستعجال المذمومة «الاستعجال في الحكم على الناس قبل التثبُّتِ» أو الحكم على الباطن، لافتاً إلى قوله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).

طلب العلم

ونبّه إلى خطورة الاستعجال في طلب العلم، مشيراً إلى أن بعض طلاب العلم يصابون بداء العجلة، وسقوط الهمم، ونفاد الصبر على طلب العلم، حتى أصبح بعضهم لا يقدرون على إكمال متن علمي، وجل همهم المختصرات والوجبات العلمية السريعة، ناهيك عما ينتج عن هذا الأمر من استعجال الإمامة والتصدّر للفتوى والاجتهاد.

وألمح إلى استعجال بعض الناس للشهوة المحرّمة، وإيثارهم الدنيا العاجلة على الآخرة الآجلة، كما قال الله: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ).

وأكد أن تلك آفةٌ خطيرة، ويكفي أن نعلم، أن الذي أخرج أبانا آدم من الجنة، أنه استعجل الأكل من الشجرة التي نُهِيَ عنها، فأكل منها هو وزوجه، فأخرجهما الله من الجنة.

البحث عن الرزق

وحذّر د.محمود من الاستعجال على الرزق، مستشهداً بما روي من أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه دخل المسجد، وقال لرجل كان واقفًا على باب المسجد: أمسك عليَّ بغلتي، فأخذ الرجل لجامَها، ومضى وترك البغلة، فخرج عليٌّ وفي يده درهمان ليكافِئَ بها الرجل على إمساكه بغلتَه، فوجد البغلة واقفة بغير لجام، فركبها، ومضى ودفع إلى غلامه درهمين ليشتري بهما لجامًا، فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدرهمين، فقال علي كرم الله وجهه: إن العبد لَيَحرِمُ نفسَه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزداد على ما قُدِّرَ له. وأكد د.محمود عبدالعزيز أن الاستعجال المحمود يكون في أمور الخير والمسارعة إلى أعمال الآخرة؛ من منطلق قول الله عز وجل: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).

التوبة عن المعصية

ولفت الى عدد من الأمور التي يجب فيها الاستعجال ومنها الاستعجال في التوبة من المعصية مؤكدا ان التوبة من الأمور العاجلة التي لا تحتاج إلى تسويف؛ فلربما أتى الموت بغتةً فيحتاج الإنسان أن يتوب، ولكن قد أُغلق باب التوبة دونه كذلك الاستعجال في أداء الحقوق إلى أصحابها و الاستعجال في قضاء الديون و العجلة في أداء فريضة الحج و تعجيل الفطر للصائم >

وشرح د.محمود عدداً من وسائل العلاج من الاستعجال، لافتاً إلى أن منها إمعان النظر في الآثار والعواقب المترتبة على الاستعجال؛ فذلك مما يهدّئ النفس، ويحمل على التريّث والتأني كذلك دوام النظر في كتاب الله عز وجل؛ فإن ذلك يبصرنا بسنن الله في الكون، وفي النفس، وفي التشريع، ومع العصاة والمكذبين.

ومن وسائل العلاج أيضاً دوام المطالعة في السنة والسيرة النبوية؛ فإن ذلك مما يوقعنا على مقدار ما لاقى النبي صلى الله عليه وسلم من الشدائد والمحن، وكيف أنه تحمّل وصبر، ولم يستعجل، حتى كانت العاقبة له، وللمنهج الذي جاء به.