برلين - الراية:

صدرت الصحف الألمانية مؤخرا وهي تحمل عنوانا مشتركا، كان بمثابة إنذار، فقد صدق حدس غالبية الألمان الذين أجمعوا في عملية استفتاء تمت في نهاية العام الماضي، على أنهم يستقبلون العام الجديد وهم يشعرون بالخوف، ليس بسبب توقعاتهم قيام داعش بتفجيرات، لأن ألمانيا انضمت مؤخرا للائتلاف المناهض للتنظيم، وإنما بعد الإعلان أنه بعد سنوات طويلة من الملاحقات والتحقيقات والبحث عن ما تبقى من أعضاء الجيش الأحمر الذين كانوا يُعرفون باسم جماعة "بادر ماينهوف"، يشكلون اليوم أبناء الجيل الثالث من هذه الجماعة التي روعت ألمانيا في عقد السبعينيات، حيث تبين بعد تحقيقات مخبرية للفحوص الوراثية، أنه تم العثور على آثار وبصمات تعود إلى أعضاء في الجيش الأحمر يعيشون في السر بسبب ملاحقتهم من قبل القضاء الألماني.

ولعبت الصدفة دورا هاما في التوصل إلى آثار هؤلاء الأشخاص الذين يُلقبون بالإرهابيين، حينما فشل ثلاثة منهم على الأقل، في السطو على عربة مصفحة مخصصة لنقل الأموال تمت في شهر يونيو الماضي، بالقرب من مدينة بريمن في الجزء الشمالي من ألمانيا، وعندما تم مقارنتها مع الآثار الوراثية التي تحتفظ بها الشرطة الألمانية والتي تعود إلى ثلاثة إرهابيين ينتمون إلى هذه الجماعة اختفوا منذ سنوات وهم: إيرنست فولكر شتاوب، دانييلا كليتي، وبوركهارد جارفيج، ووفقاً للمدعي العام في مدينة "فيردن"، يُحتمل أن يكون الثلاثة قد حاولوا السطو على عربة مخصصة لنقل الأموال في مدينة فولفسبورج في نهاية عام 2015، لكن محاولتهم باءت بالفشل. وتجدر الإشارة إلى أن هناك ثلاث مذكرات توقيف بحق الإرهابيين الثلاثة للاشتباه بمحاولتهم ارتكاب جرائم قتل ومحاولة ارتكاب أعمال سرقة من العيار الثقيل.

واستنادا إلى وسائل الإعلام الألمانية، فقد انضم شتاوب وكليتي وجارفيج إلى الجيل الثالث من الجيش الأحمر، في عام 1990، ويحمل الألمان هذا الجيل من الإرهابيين عشرة اغتيالات تمت خلال الفترة من 1984 إلى 1993 بالإضافة إلى ثلاث محاولات اغتيال والتسبب في إصابة 29 بجروح، وتفجير سجن بالقرب من مدينة "نويشتاد" كان قيد الإنشاء حيث أدى إلى وقوع أضرار مادية فقط. وعثر المحققون هناك على آثار وراثية تعود للإرهابيين الألمان الثلاثة. ويبلغ شتاوب اليوم من العمر 61 عاما، وكليتي 57 عاما، وجارفيج 47 عاما.

ويُعتقد أن كليتي وشتاوب شاركا في عام 1999 في عملية سطو في مدينة دويسبورج- راينهاوزن استهدفت عربة لنقل الأموال، حيث تم العثور على بصماتهم كما هناك احتمال أن يكون الشخص الثالث الذي شارك في هذه العملية هو جارفيج، ويبدو أنهم اختاروا يوما رمزيا لتنفيذ العملية كان اليوم الذي تلا خمسة عشر شهرا على إعلان الجيش الأحمر حل نفسه.

والسؤال الذي يُشغل المحققين الألمان، هل يسعى الإرهابيون الثلاثة إلى السطو على عربات نقل الأموال، لهدف الحصول على المال لتمويل حياتهم؟ أم أن الجيش الأحمر عاد من جديد ليمارس الإرهاب في ألمانيا؟ خاصة أنه كان معروفا أنه كان يسطو في السابق على مصارف ليمول عملياته الإرهابية.

وأبلغ راينر جريزباوم، المدعي العام الفدرالي الأسبق صحيفة "دير تاجيس شبيجل" الصادرة في برلين، أنه يعتقد بأن محاولتهم السطو على عربة مخصصة لنقل الأموال، كان الهدف منها الحصول على المال للمصلحة الذاتية، فهم بحاجة إلى تمويل حياتهم في السر. وأضاف جريزباوم الذي أمضى سنوات في ملاحقة أعضاء الجيش الأحمر، أن هذا الخبر لم يفاجئه، لكنه لا يعتقد أن هناك احتمال ظهور الجيل الرابع من الجيش الأحمر. وبذلك أيد رأي المدعي العام في مدينة فيردن الذي قال إنه يستبعد أن تكون هناك خلفية إرهابية لعملية السطو على عربة لنقل الأموال في الصيف الماضي.

لكن المؤكد أن شبح الجيش الأحمر الألماني عاد إلى الحياة السياسية الألمانية، مما جعل شتيفان ماير، خبير الشؤون الداخلية في حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي البافاري، يدعو إلى استغلال القضية لإلقاء القبض على الإرهابيين الثلاثة، وإغلاق ملف الجيش الأحمر، بعد الكشف عن خلفية الجرائم التي ارتكبوها خلال السنوات الماضية.

وبحسب بوتز بيترز، الخبير بشؤون الجيش الأحمر، هناك ثلاثة احتمالات حول حياة الإرهابيين الألمان الثلاثة في السر، أولا: انتحال هويات مستعارة، وقاموا بتغيير مظهرهم خاصة أن صورهم القديمة منتشرة في محطات القطارات والمطارات والأماكن العامة، ولا يعرف أحد كيف يبدون اليوم. ثانيا: يمكن العيش في ألمانيا بدون أوراق ثبوتية إذا لم يتعرض الشخص المطلوب للإيقاف من قبل الشرطة، علما أن غالبية أعضاء الجيش الأحمر كانوا يقيمون مع بعض في شقق مشتركة، يؤمنها لهم بعض المتعاطفين معهم، كما يتلقون العلاج من قبل بعض الأطباء الألمان الذين يرفضون إيديولوجيا معرفة أسماء المرضى الذين يعالجونهم مجانا خاصة الأجانب الذين يعيشون سرا في ألمانيا وكذلك اللاجئون والمشردون الذين ينامون تحت الجسور وفي محطات القطار. ثالثا وأخيراً: احتمال أنهم يقيمون خارج ألمانيا مثل أسبانيا أو الدول الناطقة باللغة الألمانية مثل سويسرا والنمسا ومدن فرنسية مجاورة للأراضي الألمانية.

وتجدر الإشارة إلى أن الجيش الأحمر، روع ألمانيا خلال السبعينيات، ومن أبرز الجرائم التي قام بها، كان خطف مارتن شلاير، رئيس اتحاد أرباب العمل وتم احتجازه أكثر من عشرين يوما تحولت ألمانيا الغربية في تلك الفترة إلى دولة بوليسية لأن البحث عنه كان يتم في كل حجر وزاوية، وحاول الخاطفون استغلال العملية للضغط على حكومة المستشار الألماني هيلموت شميت، لإجبارها على إطلاق سراح معتقلين من الجيش الأحمر كانوا مسجونين في سجن شتامهايم قرب مدينة شتوتجارت، حيث رفض شميت هذا الابتزاز وتم العثور بعد وقت قصير على جثة شلاير بعد أن أعدمه الجيش الأحمر. وكان النظام السياسي الألماني في صدارة أعداء الجيل الأول من الجيش الأحمر. وقال هانز ديتريش جينشر، وزير خارجية ألمانيا الأسبق الذي شغل في تلك الفترة منصب وزير الداخلية وكان على لائحة المطلوبين للقتل، أنه كان يعتمد على حرسه الشخصي وفي نفس الوقت كان يشعر بالاطمئنان لأنه كان يحمل سلاحا معه على الدوام عبارة عن مسدس صغير.

أما هيلموت شميت الذي توفي في نهاية العام الماضي، فقد صرح مرارا أن قراره بالتخلي عن شلاير ورفضه ابتزاز بلاده من قبل الجيش الأحمر، والذي أدى إلى مقتل شلاير، كان من أصعب القرارات التي اتخذها في حياته السياسية.

وهكذا فإن المحققين الألمان، ما زالوا يعرفون خطر الجيش الأحمر، ويتمنون لو أن أعضاء الجيل الثالث، يحاولون سرقة أموال لتمويل معيشتهم وليس تمويل اعتداءات إرهابية جديدة، تعيد الرعب إلى شوارع ألمانيا.