بقلم - منى عبد الفتاح:

يمر الزمن سريعاً في حضرة التطور التكنولوجي الذي يسّر الحياة بشكل كبير وساهم في كسب الزمن بشكل لا تستطيع معه اللحظة إعادة دورة تفاصيلها. قلّص هذا التطور من تعاملنا المباشر مع الطبيعة حتى جاء الوقت الذي داهمتنا فيه التكنولوجيا بأرقها وصخبها، وحبستنا في بيوت أشبه بالكبسولات أو الصناديق الأسمنتية. وقامت نفس التكنولوجيا بإدخال ما نرغبه من تفاصيل صغيرة تحاكي الطبيعة إلى بيوتنا ومكاتبنا ومدارسنا، فهنا ورود بلاستيكية وهناك لوحات متحركة لشلالات تضج بخرير المياه وغيرها مما لا يُعدُّ ولا يُحصى.

ومع تسارع التطور وجدنا من يجلب لنا داخل غرف نومنا نجوماً في سماء اصطناعية تحاكي الطبيعة وكأنّ هذه الحمى التكنولوجية تخشى من أن نهرب منها صوب الطبيعة مرة أخرى لننعم بنقائها وبرؤية نجومها الحقيقية. كان ذلك هو التصميم الحديث الذي قدمته مصممة ديكور روسية باسم «السرير الكوني». وجاء عن ذلك السرير حسبما تم الترويج له بأنّه يجعل المرء ينام وكأنه في الهواء الطلق وتحت السماء، ومن صورته يتضح أنّه يبدو على شكل كبسولة مرصعة بأضواء النجوم. وهو لا يعدو كونه توهماً وتحايلاً على الطبيعة في زمن رضي الناس فيه بالبدائل واستغنوا عن الأصل سواء أكان ذلك بسبب ظروف التطوّر وضرورات الحياة وتسارعها أم برضاهم وغفلتهم، كما أنّه ليس سوى اصطياد لحنين الناس وتعطشهم للطبيعة بعد أن حاصرتهم الصناعة.

لم تعجبني فكرة «السرير الكوني» التي روجت لها وسائل الإعلام العربية مأخوذة ببراعة المصممة، وهي لم تفعل غير أنها حاكت الطبيعة وجلبت صورة جامدة دون روح. كما أنني استغربت من الرغبة العارمة لكثير من الذين تفاعلوا مع الموضوع في نطاق وطننا العربي حيث أبدوا رغبتهم في الحصول على السرير الكوني بأي ثمن. وسبب استغرابي من أنّ هذا يمكن أن يحدث في العالم الأول الذي اختصر كل شيء وأرغمنا على الاختصار مثله. فلم يكتفِ بأن جعلنا كلنا قرية واحدة وإنما وصل الأمر إلى اختصار نومنا وتقليص مساحة أسرّتنا إلى سرير كونيّ واحد يتشابه فيه سرير روسيا مع أستراليا مع سيراليون. فما زال لدينا هنا - رغم التطوّر ومجاراة الغرب في مجال الاستهلاك - هامش من الطبيعة يمكن الرجوع إليه بين وقت وآخر حتى ولو بتحرير لحظات من فك الزمن المفترس. فما الذي يمنعنا من اللجوء إلى البراري والسهول والأرض المنبسطة دون قيد أو حصر. وما الذي يحدّ دون أن يختار المرء الوقت المناسب للذهاب مع أسرته أو رفاقه سواء أكان ذلك خلال الإجازات المدرسية أو عطلات الأعياد أو نهاية الأسبوع ليستنشق هواءً نقيّاً وينعم بإبداع الخالق بالنظر إلى سماء حقيقية مرصعة بنجوم حقيقية لا مصنوعة ولا ممنوعة.

وقد تكون هذه فرصة لإعادة الإنسان إلى وعيه بالطبيعة من حوله، فيتفكر في امتداد الليل وثرائه بالنجوم المنعكسة على صفحات المياه، وسيكتشف أنّه مجبول على الانغراس عميقاً في هذه الطبيعة بنهارها وليلها المفتوح تزوده بالأوكسجين رحيق حياته دون منٍّ ولا أذى. وبذا لن يكون التحاف الأرض والتغطي بالسماء شيئاً مدهشاً بالنسبة له، وإنّما هو كذلك لمن ينظر إلى هذه النعمة من على البعد ولمن حُرم منها. كما تمتد الدهشة لمن حُجبت عن أعينهم خيرات الطبيعة الكثيرة فهم بقربها ويكاد يقتلهم الظمأ والأرق ويعقدون خلاصهم على سريرٍ آتٍ من الخارج يختصر سعة الأرض والسماء على شكل كبسولة مفتوحة جزئياً ومصنوعة من الألياف الزجاجية.

وحتى نكون على قدر من الإنصاف، فإنّه مثلما أرغمتنا التكنولوجيا على العيش في العالم الافتراضي بدلاً من الواقع، وهذا مما فاقم من أمراض نفسية ومزاج سيء لعجز الشخص الذي يستسلم عن التعامل مع واقعه الحقيقي، فقد عملت في الاتجاه المقابل على تيسيير سبل الحياة وتوفير الجهد والزمن. إذن المتوقع إزاء هذا الطوفان ألا يرهن جمهور المستهلكين أنفسهم لهذه المنتجات المستحدثة يوماً عن يوم والتي يُقصد منها الربح السريع مع تقديم رفاهية مصنوعة مع إضفاء بعض اللمسات الإنسانية عليها. وللمساهمة في إصلاح ما أفسده هذا التقدم الجارف يجب كبح الرغبة والميول والاستسلام للحمى الشرائية التي لن تبقي شيئاً من إنسانية البشر بل ستحوّلهم إلى آلات مستجيبة على الدوام وتتحرّك بالريموت كنترول.

 

كاتبة سودانية