بقلم - جهاد فاضل:

لم تعد الموصل ترد في الأخبار إلا فيما نذر، فكأن ما حصل فيها نوع من القضاء والقدر، أو حادث من حوادث المرور الذي يقع مثله كل يوم ويُطوى في اليوم التالي، في حين أنها اغتيلت عن عمد ودفنت تحت الأنقاض وكأن أمرها انتهى ولا صاحب لها بل ولا لزوم لتقبل التعازي بها وكل ما تحتاجه هو بعض التبرعات من المحسنين للملمة النازحين منها وإعادة إعمار ما تهدم.

ولكن ما تهدم لا يمكن إعماره بل سيكون إذا عُمر بائساً ورديئاً ولا يمت إلى أصله ولا إلى تلك العمارات القديمة الباذخة التي عُرفت بها الموصل. ومن تجربتنا نحن اللبنانيين مع إعادة إعمار ما هدمته الحرب، نستنتج أن الموصل «الجديدة»، إن جاز التعبير، لن تكون موصلاً أبداً، فالموصل التي عرفها التاريخ قد اغتيلت ولم يبق سوى تحديد موعد لها يحدد لتقبل التعازي بها.

ماتت الموصل فانهدّ ركن من أركان العراق الثلاثة بغداد والموصل والبصرة، وناح تاريخ من المجد والفخار والحضارة، وبكى زرياب على عوده في الأندلس، متذكراً أيامه في الموصل ولياليه، وما نقله من حضارة الموصل وبغداد إلى قرطبة، وتردد لبكائه صدى في كل صقع عربي يعرف ما للموصل من حقوق في تاريخنا وعلى هذا التاريخ على السواء، في تاريخنا القديم كما في تاريخنا الحديث على أرض الموصل سار عبدالوهاب الشواف وناظم الطبقجلي وعبدالجبار الجومرد وكبار وكرام بلا حصر. وعلى تلك الأرض قامت حضارة السريان والكلدان والأشوريين الذين نقلوا إلى العربية الناهضة مع قومها الفاتحين حضارة اليونان وغير اليونان وهي الأرض التي وفدت إليها من الجزيرة العربية ربيعة وتغلب وبكر والحمدانيون البواسل الذين توزعوا بين الموصل وحلب وانطاكية وباقي الثغور لرد غزوات الروم البيزنطيين، ولأن الموصل نفسها إحدى مدن هذه الثغور فقد كان لها على الدوام، قديماً وحديثاً، دور في الذود عن العراق كله بوجه الروم وغير الروم.

مدينة كانت في الماضي محطة على طريق الحرير فباتت في زماننا وبسبب تخلفنا وانهيار روح النخوة والمروءة والعروبة فينا، محطة من محطات الشوك والعلقم والمرارات، إلى أن انتهت على النحو الذي يرى بالعين المجردة كومة من الأسمنت والأحجار والأخشاب المدمرة والمتراكمة فوق بعضها وكانت قبل ذلك قصوراً للعز وشاهداً على تاريخ ليس كمثله تاريخ.

بانهيار الموصل فقد التاريخ جنائز من العبق والعطر والياسمين ليحل محلها يباس الأغصان والسرو وسائر الشجر، فكأن رحيلها مؤذن برحيل كل ما جال في وجدان النخب العربية من أحلام ورؤى لمستقبل عربي وعدنا به قادتنا وشيوخنا ذات يوم أو ذات مرحلة ذهبية، ومؤذن أيضاً بعودة القرون الوسطى من جديد.

ولعل أي تفحص عن قرب لما يجري اليوم في العراق وفي غير العراق، دليل دامغ على أن الموصل ليست وحدها في محنتها وفي ليلها الفجائعي الطويل. فالواقع أننا جميعاً موصل، وأن الموصل ليست سوى عنوان من عناوين فقدان وانطفاء الروح في الأمة، ودعوة للآخرين للإجهاز على أي رمز آخر من رموزنا المشرقة تماماً كما حصل للموصل ولحلب حديثاً ولطليطلة وغرناطة وقرطبة وإشبيليا قديماً.

رغم نأيها في أقصى الشمال، لم تكن الموصل مجرد مدينة نائية أو بعيدة.

كانت على الدوام في قلب العراق وفي قلب القضايا العربية. مدينة عربية كالشمس، شامخة شموخ البختياري وسائر الجبال المحيطة بها، تقدم على الدوام خيرة رجالها في معارك الشرف والذود عن حياض الوطن. ولأنها على التماس مع شعوب وأقوام أخرى، فإن عروبتها كانت عروبة صلبة بدليل تاريخها ضد الروم وغير الروم. فيا لهذا التاريخ كيف تمزق وانعطب وتبدد، ويا لغربتنا عن إيحاءاته وسخائه وعطاءاته، ويا لديار بكر وتغلب وربيعة والحمدانيين، ومآلات هذه الديار، وما انتهت إليه أحوال قومنا في حين أن أحوال الأقوام الآخرين تنتقل من فتح إلى آخر.

ولكن لنمشي أولاً خفافاً فوق سطح أرض الموصل كي لا نوقظ الموتى، بلغة محمود درويش ولنحيي عبق الموصل والروح والريحان.

 

كاتب لبناني