بقلم / د. علي محمد فخرو -  كاتب ومفكر بحريني : 

من حق القراء أن يقرأوا ما يشاؤون في كل مقال يُكتب، ومن حقهم الاختلاف مع كاتب المقال، ذلك أن كل مقال ينشره كاتبه يصبح ملكاً عاماً. المطلوب فقط هو عدم الفحش في القول والاختلاف.

أقول ذلك كاستجابة لقراءات خاطئة ، قرأها بعض الإخوة القراء في مقال لي بعنوان « ظاهرة الخليج العربي». وبالطبع فإني أحترم قراءاتهم تلك، إذ كمؤمن بالنهج الديموقراطي الضروري للحياة العربية أقدس حرية الرأي وتعددية وجهات النظر.

على ضوء ذلك دعني أذكر أولاً ببديهية لا يأخذها البعض أحياناً بعين الاعتبار. البديهية، هي أننا، نحن المؤمنين بالعروبة كهوية ثقافية والتزامات تعاضدية بين أبناء الأمة العربية، والمؤمنين بالتالي بضرورة وحدة الأمة العربية ووطنها العربي الكبير، لا نعتبر أي دولة عربية، سواء في الخليج العربي أو المشرق العربي أو المغرب العربي، فوق النقد والمساءلة.

ذلك أننا نعتبر أنفسنا، إضافة إلى كوننا مواطنين في الدولة العربية التي ولدنا فيها وعشنا فيها طيلة حياتنا وتمتعنا بخيراتها، أننا أيضاً مواطنون في كل بلد عربي آخر ولو لم نتمتع بالصفة القانونية لتلك المواطنة.

ولذلك فإننا معنيون بكل خطر مهدد لأي دولة عربية أو لأي إقليم فرعي عربي، وقلقون من كل ممارسة سياسية واقتصادية واجتماعية خاطئة لأي نظام حكم عربي، وذلك من منطلق أن الضرر على الجزء يحمل ضرراً على الكل.

ومن أجل درء الأخطار وتقويم الممارسات الخاطئة نمارس النقد الموضوعي لأي دولة أو أي نظام أو أي مسؤول دون أن نشعر بالحرج أو بالغربة أو بالتدخل في شؤون لا تخصّنا.

وبالطبع فإننا عندما نشير إلى الأخطاء والخطايا في هذا البلد أو ذاك، في هذا الإقليم الفرعي أو ذاك، أو ننتقد هذا المسؤول أو ذاك فإننا حتماً، منطقياً وأخلاقياً والتزاماً عروبياً ورفضاً للانخراط في عبثية الصراعات الفرعية الطائفية أو القبلية أو المناطقية، لا يمكن أن نعني بأن البلدان العربية الأخرى أو الأقاليم الفرعية العربية الأخرى أو المسؤولين الآخرين هم مجتمعات مثالية يسكنها ملائكة.

فالواقع الذي يعرفه الجميع هو أن جميع المجتمعات العربية موبوءة بالأفكار والسلوكيات والممارسات السياسية والاجتماعية الخاطئة. ولذلك فعندما ننتقد الأوضاع في بلد أو منطقة فإننا لا ننسى قط الحقيقة المرة وهي أنه لا يوجد بلد عربي واحد ولا يوجد إقليم فرعي عربي لا ترتكب فيه الأخطاء والخطايا، ولا يوجد نظام سياسي عربي لا يعاني ألف مشكلة ومشكلة.

ذلك أننا نؤمن بأن تقدم الوطن العربي كله هو المدخل الثابت المضمون القوي لتقدم كل دولة من دوله ، وأن تقدم ونهوض كل دولة عربية هما إضافة مهمّة ، ولكنها جزئية، إلى نهوض الوطن العربي كله.

من هذه المنطلقات، وبتلك الروح كان نقد الأدوار السلبية التي لعبتها وتلعبها بعض دول الخليج العربي في الحياة العربية. وما جاء في مقال « ظاهرة الخليج العربي» موجود في عشرات الكتب وفي ألوف المقالات التي كتبها إخوة من مواطني الخليج العربي. وهي محاولة من جميع المناضلين، فكراً وسياسة والتزاماً بالثوابت العروبية ، لجعل الخليج العربي يتجه نحو لعب أدوار إيجابية في الحياة العربية كلها.

لقد ضاعت فرص كثيرة لجعل ثروات الخليج العربي الهائلة رافعة من روافع النهوض العربي. ومع ذلك هناك فرص كثيرة في المستقبل المنظور لتجنب لعب أيّ دور سلبي، إذ يكفي هذا الوطن العربي المنكوب المستباح نكبات الأدوار السلبية الكثيرة التي لعبتها ولازالت تلعبها دول عربية كثيرة أخرى في مشارق الوطن العربي ومغاربه، هي الأخرى ليست فوق اللوم والنقد والمساءلة.