برلين -  الراية  :

هل كانت مصادفة أن تنشر صحيفة ألمانية بعد أيام قليلة على وقوع توتر جديد في العلاقات بين برلين وأنقره، تقريراً يتنبأ بعودة قريبة للعلاقات بين تركيا وإسرائيل، بعد التوتر الذي تسبب به العدوان الإسرائيلي على السفينة التركية "مافي مرمرة" في عام 2010، حين حاولت السفينة التي كان على متنها متعاطفون مع الشعب الفلسطيني من مختلف أنحاء العالم إضافة إلى طاقمها التركي، خرق الحصار الإسرائيلي الظالم لقطاع غزة، وأسفر عن مقتل وجرح بعضهم، حيث طلبت تركيا في تلك الفترة أن تعتذر إسرائيل عن العدوان الأمر الذي فعلته قبل ثلاثة أعوام لكن بسبب ضغط واشنطن عليها وتم الاتفاق على أن تقدم عشرين مليون دولار تعويضات لعائلات الضحايا.

ذلك أن العدوان الإسرائيلي على السفينة التركية وركابها، وما سبقه من تجميد الحكومة التركية بعد مجيء رجب طيب أردوغان إلى السلطة في أنقره، العلاقات الاستراتيجية التي كانت قائمة بين البلدين في عهد الحكومات التركية السابقة، ما زال شوكا في عيون حلفاء إسرائيل في أوروبا.

فعلى الرغم من الاعتذار وتقديم تعويضات ترى أنقره أن إسرائيل لم تنفذ مطلب تركيا الأساسي وهو رفع الحصار عن غزة، وهذا موقف تاريخي للرئيس التركي وبالإضافة إلى مواقف أخرى مثل تمسك أنقره بتنحي بشار الأسد عن السلطة في سوريا.

إعلام مشبوه

وبرأي المتتبعين للعلاقات الألمانية - التركية، فإنها لم تكن مجرد مصادفة أن تواصل وسائل إعلام ألمانية مشبوهة، شن حملة انتقادات مكثفة في المدة الأخيرة ضد الرئيس التركي أردوغان. وإلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يُعتبر الرئيس التركي، الرجل الثاني الذي أصبح نتيجة لهذه الحملة يحظى بسمعة سلبية لدى الرأي العام الألماني، بحيث لا يمر يوم إلا وتُسَخّر الصحف والمجلات ومحطات التلفزة التي تملكها أو تشارك بأسهم بها دار "أكسيل شبرينجر" بالذات، والمعروفة بتأييدها لإسرائيل، وسائلها الإعلامية، لكل شخص يصب غضبه على أردوغان.

ولما رفض أردوغان، السكوت على إهانة تعرض له شخصيا، عندما بثت القناة الرسمية الثانية التابعة للتلفزيون الألماني zdf، شريطا مرفقا بقصيدة تصفه بالاستبدادي الذي يضطهد الصحفيين في بلده، ويفتك بالأكراد، أعده وقدمه صحفي ألماني ساخر يُدعى يان بومرمان، لم يكسب رواجا في ألمانيا إلى حين تسببه في توتر في العلاقات بين تركيا وألمانيا. وباعتراف الكثير من المراقبين فإن بومرمان، تطاول على شخص الرئيس التركي تحت غطاء حرية التعبير عن الرأي.

وهذا هو الموقف الذي أعربت عنه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في مكالمة هاتفية تمت مع رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو، عقب اندلاع نقاش حاد في ألمانيا وتركيا بعد بث الشريط المهين لشخص أردوغان، وقال متحدث باسمها، أن المستشارة لا تعتبر الشريط عملا فنياً، وفي وقت لاحق، وقفت ميركل أمام الصحافة لتعلن عن موافقتها على قرار أردوغان باتخاذ موقف تجاه بومرمان، حيث تقدم كمواطن تركي عادي، بدعوى "قدح وذم" ، ضد صاحب الإهانة، وذلك لدى محكمة مدينة "ماينتس" ، حيث يقع فيها مقر القناة الرسمية الثانية للتلفزيون الألماني.

هناك سقف لحرية التعبير

وتجدر الإشارة إلى أنه تم استخدام هذه الفقرة في ألمانيا لأول مرة في عقد الستينيات من القرن الماضي، وذلك في قضية تتعلق بشاه إيران رضا بهلوي، حين تم اعتبار قيام صحيفة ألمانية بتركيب مونتاج لصورة له، إهانة شخصية له وهو ما أكده القضاء الألماني لاحقا ما ألزم العاملين بالصحيفة الألمانية بدفع غرامة مالية.

لعل أبرز ما تعنيه هذه الفقرة من قانون العقوبات الألماني، أن هناك سقف لحرية التعبير عن الرأي، فألمانيا فخورة بنفسها لكونها دولة ديمقراطية أثبتت ذلك بعد تأسيس ألمانيا الاتحادية عام 1949 على ركام ألمانيا النازية التي دمرها الحلفاء الأربعة في الحرب العالمية الثانية، وتعتبر حرية التعبير عن الرأي، أحد أعمدة الديمقراطية.

لكن الفقرة 103من قانون العقوبات الألماني لا يمكن النظر إليها في نفس الوقت، بأنها رخصة يستغلها آخرون لإهانة مسؤولين والتشهير بهم، وهو ما كان يقصده بومرمان، الذي كان آخر ما يتوقعه، أن تقف ميركل وكثير من السياسيين والإعلاميين ضده.

ميركل تتضامن مع أردوغان

وبينما أصبح يُقال أن موافقة ميركل على قيام أردوغان، برفع دعوى أمام محكمة ألمانية، بناء على فقرة في قانون العقوبات الألماني، أسفرت عن انقسام في ألمانيا. فقد اختلف المعلقون في الحكم على التطور الذي بلغته القضية في وقت قصير جدا، إلى حد أصبحت تهدد مسار العلاقات الألمانية التركية.

لكن صحيفة "زود دويتشه" الليبرالية التي تصدر في مدينة ميونيخ، لفتت النظر إلى وجود اشتباه في التأييد المطلق الذي تقدمه دار النشر "أكسيل شبرينجر" ، المعروفة بتأييدها لإسرائيل، وانتقاد أردوغان عبر صحفها وخاصة صحيفة الشارع "بيلد" ، التي توزع 12 مليون نسخة يوميا، وتؤثر على المواطن الألماني العادي، والتي تنشر مقالات الصحفي التركي إيرتوجول أوزكوك، الذي تزعم أنه ألمع صحفي في تركيا، حيث غالبا ما تتضمن مقالاته افتراءات ضد أردوغان.

 

بعد استقالة أحمد داود أوغلو

المرشحون لرئاسة الحكومة التركية

أبرزهم وزراء النقل والعدل والطاقة.. وهم مقربون من أردوغان

 بعد الإعلان عن تنحي أحمد داود أوغلو في مؤتمر استثنائي لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتولى رئيسه تلقائياً رئاسة الحكومة، تتوالى التكهنات بشأن خلفه، والأربعاء الماضي أكد المتحدث باسم الحزب عمر تشيليك أن المشاورات جارية.

وصرح نائب رئيس الحزب مصطفى أتاش قائلا: برأيي إن الإعلان عن المرشح لرئاسة حزب العدالة والتنمية سيتم قبل يوم أو اثنين على موعد المؤتمر الاستثنائي للحزب، ما يؤكد أن نقل السلطات في رئاسة الحزب، وبالتالي الحكومة، سيكون من الشكليات.

بالتالي من سيكون رئيس الوزراء التركي المقبل الذي يخلف قريباً أحمد داود أوغلو بعد تخليه عن منصبه؟.

ترد أسماء عدد من المرشحين المحتملين يجمعهم الإخلاص للرئيس رجب طيب أردوغان، بعضهم برزت أسماؤهم قبل استقالة داود أوغلو.

أول هؤلاء بن علي يلديريم، وزير النقل الحالي الذي بدأ مشاريع بُنى تحتية ضخمة مهمة جداً بالنسبة إلى أردوغان، رفيق دربه منذ زمن على الساحة السياسية.

كما يبرز اسم بكير بوزداغ، وزير العدل ومهندس الحملة على عدو أردوغان اللدود، الداعية فتح الله غولن الذي يدير جمعية إسلامية وكان حليفته في السابق.

أخيرا يرد اسم بيرات البيرق، وزير الطاقة وصهر الرئيس، الذي تحسب عليه قلة تجربته السياسية.

رغم ذلك يبدو الرهان كبيراً، فرئيس الحكومة الذي يرأس الجهاز التنفيذي بموجب الدستور يمسك مجمل السلطات الرئيسية في البلاد، فيما يتولى رئيس الجمهورية صلاحيات بروتوكولية بأغلبيتها.

لكن في الواقع يبقى أردوغان الذي انتخب للمرة الأولى بالاقتراع العام حاضراً في جميع الملفات سواء على مستوى السياسات الخارجية أو الداخلية أو الاقتصاد، لذا يترتب على رئيس الوزراء المقبل أن يكون مناسباً لرئيس نافذ.

     نظام رئاسي

تبدو المهمة الرئيسية لرئيس الحكومة المقبل، أيا كانت هويته، مركزة في ضمان تنفيذ مشروع النظام الرئاسي الذي يريده أردوغان إلى النهاية، وأكد الرئيس التركي مؤخراً أن النظام الرئاسي آت عاجلا أم آجلا.

وقد يضطر أردوغان إلى التحلي بالصبر، فوسط غياب إجماع برلماني واجتماعي على الانتقال إلى نظام رئاسي قوي، الأجدى بحزب العدالة والتنمية الإحجام عن التحرك فوراً بحسب ناز مسراف من مجموعة يوريجا، وأوضحت المحللة أن إرساء رئاسة تنفيذية في 2016 غير مرجح.

وينوي الحزب الحاكم طرح تعديل بصيغة انتقالية في البرلمان قبل حلول منتصف يونيو تنص على "رئيس متحزب" عوضاً عن حيادية رئيس الجمهورية المنصوص عليها حالياً، ويجيز ذلك لأردوغان تعزيز علاقاته مع حزبه دون التخلي عن طموحات تحويل النظام رئاسياً.

وما زال حزب العدالة والتنمية (317 نائباً من 550) بحاجة إلى 330 صوتاً على الأقل لإقرار هذه التعديلات الدستورية بموجب استفتاء.