بقلم - فيصل الدابي/‏المحامي:

قرر الرئيس ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، اعتبرت أمريكا وإسرائيل أن القرار شجاع وعادل ورفض العالم هذا القرار واندلعت المظاهرات الشعبية الرافضة للقرار في معظم دول العالم بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة وتم رفض القرار من قبل جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، مجلس الأمن ومنظمة التعاون الإسلامي واعتبره العالم قراراً متهوراً ومنحازاً ومخالفاً للشرعية الدولية التي قضت بعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية وبعدم شرعية بناء المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية التي تضم الحي الإسلامي والحي المسيحي وتضم المسجد الأقصى الذي يعتبر ثالث أقدس الأقداس الإسلامية لكل مسلمي العالم!

في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون يواجهون الرصاص الإسرائيلي بالصدور العارية والحجارة احتجاجاً على القرار الترامبي ويستشهد عدد منهم، كان هناك وفد بحريني يزور إسرائيل ولا شك أن ذلك الموقف يتسم بالشذوذ السياسي ويُفسر على أنه تأييد ضمني للقرار الأمريكي علماً بأن بعض الدول غير العربية وغير الإسلامية مثل كوريا الشمالية رفضت القرار وأكدت عدم اعترافها بإسرائيل نفسها!

يُلاحظ أن أغلب رد الفعل الشعبي العربي والإسلامي كان قوياً لكن رد الفعل الرسمي العربي والإسلامي كان ضعيفاً لأنه اكتفى بالشجب ولم يتضمن أي رد عملي حاسم كقطع العلاقات وطرد السفراء وسحب الاستثمارات.

إن قرار منظمة التعاون الإسلامي الذي دعا المجتمع الدولي للاعتراف بدولة فلسطين وبالقدس الشرقية عاصمة لها وتحقيق السلام العادل على أساس حل الدولتين هو قرار ذكي لمواجهة قرار ترامب لكن آخرين يقولون إن قرار ترامب هو الأذكى لأنه فرض سياسة الأمر الواقع واستدرج رد الفعل العربي والإسلامي وحلّ مشكلة الشرق الأوسط بالفعل فاعتراف العالم بدولة فلسطين وبالقدس الشرقية عاصمة لها يعني ضمنياً الاعتراف بدولة إسرائيل وبالقدس الغربية عاصمة لها وهذا بالضبط ما تريده إسرائيل وكان بمقدور العرب تحقيق هذا الحل في عام 1947 بموجب القرار الأممي بالتقسيم عبر الذهاب لمجلس الأمن والأمم المتحدة بدلاً من رفضه آنذاك والمطالبة برمي إسرائيل في البحر والدخول معها في ثلاثة حروب كبرى!

استقوى المفاوضون الإسرائيليون بعد قرار ترامب وتم تسريب عرض أمريكي إسرائيلي مدعوم سراً من بعض الدول لإنشاء دولة للفلسطينيين في الأردن وسيناء والتنازل لإسرائيل عن فلسطين كلها مع كامل قدسها، وبالمقابل يتمسك المفاوضون الفلسطينيون بعروبة فلسطين وبإسلامية قدسها ويردد بعضهم طرفة الزعيم الكوبي السابق كاسترو الذي سئل ذات يوم عن المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين فرد قائلاً: لا أعلم عنها شيئاً لكن لو كنت مفاوضاً فلسطينياً لقلت لليهود اختاروا الرحيل من فلسطين براً أو بحراً أو جواً!!

اختار ترامب التوقيت المناسب لإعلان قراره فهناك خلافات مزمنة في العالم الإسلامي فمثلاً هناك أزمة بين دول الخليج العربي وهناك عداوات بين السعودية وإيران وهناك حروب شيعية سنية في سوريا والعراق واليمن علماً بأن الحروب الدينية المسيحية بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا قد انقرضت منذ أجيال وأصبحت مجرد قصص تاريخية قديمة، كما أن استمرار الانقسام الإسلامي الحالي ربما يؤدي لفتح شهية إسرائيل ومطالبتها بمطالب أكثر وأكبر.