بقلم : عبدالحكيم عامر ذياب (كاتب فلسطيني) ..
المُصالحة التي باتت حديث الساعة لدى كل الفلسطينيين، حتى المتنازعون أنفسهم أصبحوا يبحثون عن المصالحة، وتمكينها، وهذه الحقيقة التي يجب أن نعترف بها، لكنها الطريق الوعرة التي تحتاج لمعجزة حتى تسير على خطى ممهّدة، وإخراج الشعب مما آل إليه حاله، بفشل الانقسام وفشل الفلسطينيين في إدارة خلافاتهم، ثم الفشل في السيطرة على نظام الحكم، وعدم القدرة على بلورة الأمور بشكل منطقي وعقلاني، بسبب قلة التجربة السياسية، وإيمانها بمنطق الإقصاء والتفرّد، والنتيجة أن النظام السياسي تلقى هزّة عنيفة منذ سنوات عدة، ولم تنته، بل تلقى ضربات أعنف وأقوى، وكل ذلك بسبب التفرّد بالسيطرة والقرار.

وكانت النتيجة، نظاماً سياسياً مترهلاً، فصائل متصارعة، مقومات متهالكة، مقدّرات شعب تآكلت قدراته ومقدّراته ومشروعه الوطني، إلى حد أنهم بدأوا يقتنعون بأن العيش في الوطن ليس عيشاً، وأن الهجرة هي الحل، ولا سلام مع مُصالحة، ولا لمنادين لها، فقد استطاعت علينا قوى التآمر الإسرائيلي، واستدرجتنا إلى كمائن أقوى منا، ونحن أضعف من مقاومتها أو الوقوف أمامها.

عدنا لمربع المُصالحة من جديد، ثم عدنا نستمع إلى صوت المتكفلين بتقريب وجهات النظر الفلسطينية بعضها إلى بعض، المُصالحة التي يجب أن نعترف أنها الحل النهائي، بل النفس الأخير لإنقاذ حياة الفلسطينيين في فلسطين، وتحديداً غزة التي انهارت من الانقسام، وأتباعه، ويجب علينا أن نعترف أننا أحوج من أي وقت لها، وقد يحاول بعض المستفيدين دفع دفة الانقسام لإغراق الفلسطينيين أكثر، لكن النهاية الحقيقية تقول أننا شعب واحد، ودم واحد والقرار بين أيدينا، وعلينا إعلان القرار ليصبح أمامنا خصم واحد، وصوت واحد، وقرار واحد، لبناء النظام السياسي الوطني الموحّد.

والأكثر أهمية الآن هو اللقاء بين الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء السابق الدكتور سلام فيّاض بعد الخلاف بينهما دام لوقت ليس بالقصير، وبعد قطيعة ذهبت بمقاطعة الأخير السلطة ثم مُغادرته رام الله، في ظروف كانت أكثر تعقيداً في ذلك الوقت، والغريب في مثل هذا اللقاء أن فيّاض لم يُستدع ليكون جزءاً من المنظمة، أو اللجنة المركزية، لكن بشكل مفاجئ أصبحا متقاربين، وحدث لقاء الود بينهما.

من الواضح أن طريق المُصالحة متعثرة، وطريقها أصبحت وعرة، والشعور الذي يُسيطر على مشاعر الفلسطينيين وقيادتهم أن لا أفق وأن الانسداد سيّد الموقف، لكن الحقيقة تقول أنها أيضاً وصلت لقناعة تقول أن مجمل الأفكار التي طرحها الدكتور سلام فيّاض باتت هي الخلاص لمجمل إشكاليات المُصالحة، لكن تلك الحلول طرحها في وقت كان سيتعرّض فيه لأشد هجمة وانتقاد، لكن المركب تغرق الآن ونحن نحتاج لتنفيذ تلك الحلول وفوراً.

جرى الحديث بين الرئيس وفياض، وعلى ما يبدو في الأفق أن الحديث له أهمية بالغة على مستوى مستقبل الصراعات التي تواجهها القضية الفلسطينية، والمصالحة الفلسطينية، والتاريخ الفلسطيني الآن، بل تناول الحديث كل الموضوعات الأكثر عمقاً في محاولة لقطع الطريق على ما يسمى صفقة القرن، طالما أن غزة هي الجرح الأكثر ألماً ومعالجتها هو مدخل الصفقة، لذا على السلطة أن تعيد ضم القطاع لسيطرتها، ولحضنها، واستعادته، واستعادة روح شعبها الذي ذاق الويلات خلال عشر سنوات من الألم والحصار، ووقف ما يجري لاستنزافها أكثر، وعزلها أكثر، وتركها أكثر، وعلى حماس أن تنظر لذلك بعين وطنية، ومسؤولة، ويجب أن تتفحّص الخيارات، لتجد أن خيار السلطة هو الخيار الأنسب، وعليها أن تجد الحلول الأكثر مرونة لكسر شوكة الانقسام الذي أصاب قلوب الفلسطينيين في مقتل.

نحن أمام اختبار كبير، هل ننجح في البقاء والصمود على ثوابتنا، أم يكسرنا حصار، وما كسرنا ذات يوم احتلال!!.

أي منطق ذلك الذي أقنعونا بالتفكير به، لا تقولوا إنه منطق السلطة، فلا سلطة تعلو على صوت المقهورين، والمجروحين والجوعى في غزة، ولا على تضحيات الأسرى، ولا على دماء الشهداء، ولا على صوت الوطن،،، هل تستجيبون؟.