يقول صاحب هذه القصة:

ولدت سليماً معافى.. موفور الصحة.. قوي البنية.. نشأت بين أبوين محبين وحنونين وفرا لي الأمن والأمان والاستقرار ولبّ الوالدان كل احتياجاتي.. كنت وحيدهما وقرّة أعينهما.. خططا لي مستقبلًا باهراً كي يؤمنا لي حياتي.. كنت سعيداً جداً في هذا الجو الأسري الذي كنت أنعم به.. دون أن أتحسب للقدر الذي يفاجئنا بين حين وآخر بما لا نتوقّع خيراً أم شراً..

في الجامعة كنت طالباً لست بالمتفوق ولست بالمتدني.. لي من الأصدقاء والزملاء الكثير.. داخل الحرم الجامعي وخارجه.. وكأي شاب كنت أمارس حياتي بشكل طبيعي.. أسافر.. أذهب إلى النادي.. أتنزه مع الأصدقاء.. بشكل عام.. كنت أعيش حياة سوية وسعيدة..

حتى كان ذلك اليوم.. كنت على موعد مع القدر.. فبينما كنت أقود سيارتي في طريق الجامعة.. جاءت باتجاهي سيارة مسرعة اصطدمت بسيارتي اصطداماً شديداً وبسرعة مذهلة.. تحطمت السيارة كلياً.. وبتّ أنا كالجثة الهامدة.. ولا أعرف كيف بقيت على قيد الحياة جرّاء هذا الحادث المروع.. لكنها إرادة الله الذي لا يعلو على إرادته شيء.

مكثت في العناية المركزة أسابيع طويلة وأنا في غيبوبة لا أعلم ما يجري حولي.. وحين أفقت من غيبوبتي وجدت أمي وأبي عند رأسي يبكيان حالي.. قلت لهما مبادراً.. ما الخطب..؟ فضماني بشدة وهما يستبشران قائلين.. أفاق ابننا وحبيبنا.. فتوجه والدي إلى الطبيب المسؤول عن علاجي وهو مستبشر.. وأمي بجانبي تحمد الله وتشكره بأنه لطف بي.. وبعد دقائق رجع أبي بوجه آخر.. بوجه مكفهر وعابس.. وإذا بأمي تبادره.. ما الأمر..؟ أين الطبيب..؟ ماذا قال لك..؟ كل خير إن شاء الله أجاب بتلك الكلمات بألم وحزن دفين.. لم أرتح ولم ترتح أمي من تلك الإجابة.. طلبت من والدي أن يجيبنا بصراحة أن يقول لنا ماذا قال له الطبيب حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة فسوف أتقبل بما كتبه الله تعالى لي. وسأرضى بقضائه وقدره.. لم أنتظر الإجابة وقتاً طويلاً.. في هذه اللحظة دخل الطبيب وأخبرني بحقيقة وضعي.. بأنني مصاب بالشلل.. في الرجلين.. وسوف استخدم الكرسي المتحرك بعد خروجي من المستشفى.

بالطبع تألمت وحزنت في البداية.. وطوال فترة مكوثي في المستشفى لتلقي العلاج أشعر بالحزن على الحياة الجديدة عندما أخرج من المستشفى.. بالتأكيد سوف تتغير حياتي كلها.. هكذا كان كل تفكيري.

وحين خرجت من المستشفى كنت يائساً.. محطماً.. أشعر بالانكسار والعجز والضعف أبي وأمي الشخصان الوحيدان اللذان تألما من أجلي.. وقفا بجانبي ودعماني وكنت أحزن وأتألم حين أجدهما يتعذبان ويعانيان من أجلي.. لا أدري كيف واتتني القوة والشجاعة والإرادة للتغلب على ألمي وحزني وأقهر عجزي وأتحدى إعاقتي.. الأمر يعود إلى عدة أسباب في مقدمة تلك الأسباب محاولة زرع السعادة في نفوسهما.. أعني والديّ.. إيماني بالله وبقضائه وقدره.. وأنه لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا.. واختباره للعبد على ما يصيبه من ابتلاءات ومحن.. وتذكرت زميلي المصاب بالشلل الرباعي لا يستطيع حتى الحراك.. وكيف أن وضعي أفضل من وضعه.. فحمدت الله وشكرته على ذلك.. واقتنعت نفسي بالإقبال على الحياة.. فالله بفضله وكرمه نجاني من موت محقق.. وكتب لي حياة جديدة.. إذا فهذه فرصة لأغتنمها لأسعد نفسي وأسعد من حولي.. وبالأخص أحبّ الناس إلى قلبي أبي وأمي.. فانطلقت وكلي حماس بإكمال دراستي الجامعية.. بل واجتهدت وثابرت حتى تخرجت بتفوق.. وأنا الآن بصدد الانخراط في وظيفة وافق عليها المسؤولون.. عاهدت نفسي أن أبرز طاقتي في العمل المنتظر.. هذا على الصعيد العلمي والعملي.. أما على الصعيد الاجتماعي أقوم بزيارة الأقارب والأصدقاء بمقعدي المتحرك أعيش حياتي بشكل طبيعي دون خجل.. كم أنا سعيد وأنا أرى الابتسامة والبشر على وجه والديي حينما يرونني أعيش حياتي كما لو كنت شاباً معافى الجسم والبدن.. كم ترتاح نفسي حين أدخل الفرحة في قلبيهما.. أحمد الله تعالى أن منحني القوة والإدارة لتحدي إعاقتي والتغلب عليها.. ولم أستسلم طويلاً للحزن واليأس والعجز.