بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..
العالم منشغلٌ عن فلسطين، والعرب يغضّون الطرف عما يجري هناك وتحديداً في قطاع غزة من غارات إسرائيلية أدت إلى مقتل وإصابة عشرات الفلسطينيين، ودولة قطر كما هو العهد بها تقف في وجه هذا التصعيد.

في هذا الظرف الدقيق تنبع أهمية المباحثات الأخيرة التي أجراها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وهي إن دلّت فإنّما تدل على العزم الدائم من قِبل القيادة القطرية على نصرة الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة بمجهودٍ مساند للشرعية الدولية وسط كرة اللهب المشتعلة بالمنطقة العربية والشرق الأوسط.

لا تزال قطر تبذل من أجل إعادة الإعمار في قطاع غزة وإقامة مشروعات مستدامة في قطاعات حيوية مثل الإسكان والصحة والتعليم، بدعم جهود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) العاملة في الأراضي الفلسطينية وبلدان اللجوء. وهذه حقائق شهدت بها الأمم المتحدة كما لم يستطع إنكارها المجتمع الدولي.

قادت الأحداث المشتعلة في المنطقة العربية إلى تجاهل القضية الفلسطينية بينما قوات الاحتلال الإسرائيلي تشنّ حرباً متكاملة الأطراف، فبالإضافة إلى التصعيد العسكري قامت بتجفيف منابع الدعم الموجّه للفلسطينيين بفرض حالة من الحصار المالي. وزادت الولايات المتحدة من الأزمة بتقليص نحو 300 مليون دولار من تمويلها الأونروا، في أعقاب الرفض الفلسطيني لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها عاصمة للكيان الإسرائيلي.

في ظلّ هذه الأحداث البارزة على الساحة العربية، وانفتاح كوّة النار في كل جزء منها، ووسط الزعازع والأهوال، تتطور الأوضاع في فلسطين دون أن تثير انتباه العرب. ووسط هذه الظروف التي استطالت لا زالت الجهود المبذولة في عملية السلام تراوح مكانها، وبقيت جهود المصالحة الوطنية بين هدنة مُفتعلة من الجانب الإسرائيلي لكسب الوقت وبين تصعيدٍ خطير من نفس قوات الاحتلال في قطاع غزة.

هذا التناسي لقضية تهمّ كل العرب يرجعنا بالذاكرة إلى دفاتر التاريخ وانتصاراته بعد أن فُقدت البوصلة تماماً نسبة لشدة الانفصام بين الماضي والحاضر. فبينما كانت هناك وحدة وقوة، فهنا انقسام وتشرذم.

وبينما يتسم قادة ذاك الزمان بإنسانيتهم ونبلهم في الحرب كما في السلم، تنعدم في ساحات النزاعات الآنية كل معاني الإنسانية. فالقتلى في فلسطين كما في سوريا يتم التمثيل بجثثهم، تكاد الأرض ترتوي دماً لتغرس من فوقها صور أشلاء الضحايا، والجرحى والأسرى تُساء معاملتهم إمعاناً في التعذيب، وهذا كله لا يُفقد الحساسية فحسب وإنّما يُفقد أي فرصة لبروز ذرة إنسانية.

تبدو الصورة على درجة كبيرة من الوضوح الفاضح، بأنّ كل ما في الوطن العربي ماضٍ إلى حافة هاوية لا متناهية على هذه الأرض المستثارة. وبالعودة إلى الحاضر يمكن الإحساس بأرواح الضحايا هنا وهناك تتدانى مثل ذكريات وآمال تدخل ما بين رهافة المشاعر المتضامنة وقعقعات السلاح، مزجٌ بين الحقيقة الماثلة والخيال المؤمل. حتى إذا ما أُشرع باب لتلاقح الثقافات تداعت ظلال أشبه بالسحب الداكنة.

لا يلبث أن تنعكس من هذا الواقع، أضواء مسرح العبث واللامعقول، كما قدمه ألبير كامو عام 1942م بأنّ الموقف الإنساني بشكل أساسي هو موقفٌ عبثيٌّ لا معنى له. يكاد الحاضر يجرنا على شوك ذات المفهوم الذي ينطوي عليه معنى عدم الجدوى واللامعقول. والمغزى العبثي لواقع تجاهل الحالة الفلسطينية أشبه باليأس المسمى عبثاً كما في مسرحيات صمويل بيكيت وغيره من الكتّاب الذين اشتركوا في فكرة أنّ الإنسان يقطن في هذا الكون بدون أن تكون المفاتيح بحوزته وأنّ وجوده بلا هدف، وفي نفس الوقت هو وجود مهدّد.

لا بد من صدمة توقظ الضمير العربي وتوحّد وجدانه بعد الفشل في توحيد أوطانه، ليرى الجميع أنفسهم في مرآته التي لا تكذب ولا تجمّل القبيح، بل تُظهر القبح المخفي خلف الجمال المصطنع. ولتعلن الحرب على التشرذم انتصاراً لهوية واحدة هي هوية الشعب العربي الجامعة له في تعدده وتنوعه، وقوته الكامنة بتنشيط هاجس الانتماء والضمير القومي. نعم في الأمر دهشة، فكبت حالات الوضوح إحدى مغيبات الوعي ومظهر من مظاهر التعطيل الكلي للحواس التي نعاني منها الآن.

ليس غريباً أن تولي قطر، القضية الفلسطينية اهتمامها الكبير، فاستمرار الدعم القطري لفلسطين في وقتٍ تتآمر الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لتنفيذ صفقة القرن، ووسط التجاهل العربي يوضح كم هو كبير حجم المراثي والمآسي. فما أحوجنا إلى إنسانية ذلك الزمان الذي لم يكن يعرف أية مواثيق دولية لحقوق الإنسان ولكنه يدرك الإنسانية بالفطرة. كما لم يعرف جيرة الحدود السياسية بأكثر من رابطة الدم، ولكنه الآن فقط يعي أن تكون غزة قريبة من ثوابت السياسة القطرية وغريبٌ إدراكها وإنقاذها من المجازر، على بقية الدول العربية.