بقلم - أ.د. عمر بن قينه: تستعرض صحف العالم يومياً فتجد نفسك في زخم الأخبار السياسيّة والفكرية الموضوعية، والقضايا الكبرى في الأمة والعالم، يلمع فيها من دون (تلميع اصطناعي): رجال رأي حرّ إلى جانب الحقّ، رجال واثقون، أحرار فكر ومواقف وآراء، يتضاءل بينهم (باعة الكلام) في هذا الإعلام الجاد، تأتي فيه أخبار السياسة (الوطنية) الكبيرة عادية من دون عناوين مدوّية. هذه لدينا (قدرنا) باتت (عادة) إعلاميّة، حيث ينفتح المجال فيها لصخب العواطف، كما تنتشر (أسواق نخاسة)، حيث (مزادات بيع الآراء) لمن يدفع بسخاء، خاصة من (صحفنا) في (أوروبا) من أنظمة فساد أصّل فيها هذا (كتّاب المعالف) حديثاً في (إصطَبلاتها). أعتذر للقارئ عن إدمان هذه الصفة، فلم أرَ أدقّ من أمر(العلف) شاغلاً لمتعلّمين، يحملون صفة (مثقفين) يبيعون أقلامهم وأنفسهم للهوى والشيطان؛ فسقطوا في أوحال العبوديّة؛ فضلوا وأضلّوا.

إعلام الفكر الجاد المسؤول موضوعياً وأخلاقياً، والرأي الحرّ(عموماً) هنالك لديهم، من دون مُساومة ولا بيع في المواقف، حيث تتمطّى عناوين القضايا الكبرى، أما معظم إعلامنا العربي فهو إعلام الرياضة والطرب وبيع الرأي؛ فلوّح بالدولار والدرهم والريال والجنيه والدينار لترى الذباب يجتاحك من كل مكان. لا تُقنع بعض عناوينه محرّريها أنفسهم، لأنه (رأي) من يغيّر(معطفه) في اليوم سبع مرات! حسب الطلب كما يقول مثل جزائري!

ما أن تشرع تستعرض العناوين في الصحف العربية وفي مقدمتها الجزائرية حتى تجد نفسك أمام دويّ لفظي، بعناوين كبرى تتبختر من دون مضامين جادة، حتى إذا غامرت بوقتك ورحت تبحث عن مضمون العنوان في الداخل وجدته في بضعة سطور فقيرة.

يغيب إعلام الرأي والفكر المسؤول والموضوعية التي تجلب احترام القارئ، كما تتوارى قضايا الأمة العربية وأقطارها، تغطي عنها أخبار راقصة تتثنّى، ومغنٍ تنتفخ أوداجه فاغراً فاه كمغارة، يجاريه في تشييد فمه (لاعب كرة) يطلق شتيمة في الهزيمة، أو يصرخ (بالنصر) الذي غيّر حال العرب من واقع القرون الوسطى إلى القرن الثاني والعشرين!

الحاضر الأكبر يومياً إذن في عناوين الصحف العربية: أخبار الرياضيّين والمغنّين والراقصات! حتى الغثيان، بمثل النماذج التالية في الصفحات الأولى:» زطشي يؤكّد في الرياضة/سعداني يعلن استعداده للعودة للفريق/طلبات الحصول على تذاكر مونديال2018/ /غلام الله وإدارة نادي نابولي/. مع فرقة كورتري البلجيكي/ مدرب سوداني ينجو من الموت-وينسون موت المئات من المواطنين العرب يومياً بمن فيهم الكتاب والإعلاميّون والعلماء والمفكرون-/ طرح قميص ابن ناصر للبيع لغرض خيري!؟ - يا سخرية الأقدار!؟-/ رابح سعداني: أعرف أمراض الكرة الجزائرية جيداً/رحيل حاليلوزيتش تسونامي فريق الخضر/ الكارزا يستدعي 23 لاعباً/ابن طالب يدفع ثمن إبعاده من المنتخب/إبراهيمي لن يلعب في مواجهة الكميرون/مدرب شباب بلوزداد يقول: لانملك أنصاراً بل مجرمين/ أبوتريكة سيشارك في مونديال روسيا / 400 مليون سانتيم لماجر شهرياً مدرباً للخضر- هو راتب مدير جامعة لمدة ثلاث سنوات-.

معذرة قارئي الكريم على إشراكك في متابعة هذا (الهوس الكروي) ثم أستسمحك في إضافة نموذج من عناوين تشابهت عن تأهّل فريق مصري (لمونديال2018) فبمجرد (ركلة) لاعب عشوائية تأهّل فريقه؛ تمطّت العناوين في الصحافة العربية، منها (الجزائرية) يختصرها: (حمّى صلاح تجتاح مصر عقب التأهّل لمونديال2018)/دعوة سعودية للاعبي مصر لأداء العمرة بمناسبة التأهّل للمونديال.

(بركلة لاعب) أصبحنا الأمة الأعظم، أقوى من أمريكا وأوروبا! يا عزّة عرب بكُرة من جلد حمار أو بغل! لذا» قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتكريم اللاعب ووجّه له تحية خاصة» لخاطر رِجْله!

ماذا نقول لشبابنا العربي عن مُثُلهم؟ عن القُدوة في النهوض بوطنهم العربي؟ فيما يلزمهم من عدّة المعارف وعتاد النهوض المادي والعقلي والروحي؟

اكسر قلمك! عطّل عقلك! اخنق رأيك يا عربياً! أكرم قَدَمَك! ارع حنجرتك! بالأرجل والطرب تُبنى الأمم!

تعازينا أيّها العربي المنكوب بأنظمة خزي وعار! تكرّم الأرجل والحناجر وتزجّ برجال علم و فكر ورأي في غياهب السجون!

أسحب اليوم لومي ذلك (العربي) من (مصر العربية) الذي غضب في وجهي بمدينة (باريس) سنة (1986) رافضاً انتماءه العربي، ساعياً للزواج بفرنسية مطيّة لجنسية فرنسية، قائلاً لي بوقاحة: «لستُ عربياً! لا يشرفني أن أبقى عربياً»! قالها من وحي الإحباط الذي كرّره لي بعد عشرين سنة سائق سيارة (أجرة) في (جدة) حين سألته (2007) فقال: من (مصر) فقلت (أرض الكنانة) فعقّب:»لم تعد كذلك» فاختصرت (تنهيدته) موقفه! ثم أضاف «نحن هنا كالمستجير من الرّمضاء بالنار»!

كاتب جزائري

E-Mail: beng.33@hotmail.com