كتب - نشأت أمين:

أكّد فضيلة الداعية د. محمود عبدالعزيز يوسف أنّ الترغيب والحثّ على التواضع من السنة، مشيراً إلى أن الدين الإسلامي الحنيف رغّب في هذا الخلق العظيم وحثّ عليه ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، حتى أن من تواضع جازاه المولى عزّ وجلّ على تواضعه بالرفعة.

واسترشد د. محمود عبدالعزيز في محاضرة عن « فضل التواضع» بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».

ونقل ما قال القاضي عياض رحمه الله في قول الرسول صلى الله عليه وسلم (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) بأنه فيه وجهان أحدهما: أن الله تعالى يمنحه ذلك في الدنيا جزاء على تواضعه له، وأن تواضعه يثبت له في القلوب محبة ومكانة وعزة، والثاني: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه.

التطاول على العباد

وبيّن المحاضر أن التواضع قسمان أحدهما محمود والآخر مذموم، مضيفاً إن المحمود هو ترك التطاول على عباد الله والازدراء بهم أمّا المذموم فهو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه، مشيراً إلى أن العاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها.

ولفت إلى أن التواضع المحمود ينقسم إلى نوعين، الأول: هو تواضع العبد عند أمر الله امتثالاً، وعند نهيه اجتناباً، فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره فيبدو منها نوع إباء وشراد هرباً من العبودية وتثبت عند نهيه! طلباً للظفر بما منع منه فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه فقد تواضع للعبودية.

الخضوع لله

وأوضح أن القسم الثاني هو: تواضع الإنسان لعظمة الربّ وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه، فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك وغضبه الشديد على من نازعه ذلك فتواضعت إليه نفسه وانكسر لعظمة الله قلبه واطمأن لهيبته وأخبت لسلطانه فهذا غاية التواضع، وهو يستلزم الأول من غير عكس، والمتواضع في الحقيقة هو من رزق الأمرين.

انكسار القلب لله

وفيما يتعلّق بالتواضع المذموم، نقل د. محمود عبدالعزيز قول ابن القيم رحمه الله: (ومن التواضع المذموم المهانة، والفرق بين التواضع والمهانة، أن التواضع: يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها فيتولد من بين ذلك كله خلق هو التواضع وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له على أحد فضلاً ولا يرى له عند أحد حقاً بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبّه ويكرمه ويقرّبه.

وأمّا المهانة: فهي الدناءة والخسّة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها كتواضع السفل في نيل شهواتهم وتواضع المفعول به للفاعل وتواضع طالب كلّ حظّ لمن يرجو نيل حظه منه فهذا كله ضعة لا تواضع، والله سبحانه يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة وفي الصحيح عنه، وأوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد.

آثار التواضع

وأوضح د. محمود أن من آثار التواضع أنه يرفع المرء قدراً ويعظم له خطراً ويزيده نبلاً كما يؤدي إلى الخضوع للحقّ والانقياد له.

ومن آثاره كذلك أنه عين العز، لأنه طاعة لله ورجوع إلى الصواب ويكفي المتواضع محبة عباد الله له ورفع الله إياه.

وقال د. محمود إن التواضع فيه مصلحة الدين والدنيا ويزيل الشحناء بين الناس، ويريح من تعب المباهاة والمفاخرة، وهو يكسب السلامة ويورث الألفة ويرفع الحقد ويذهب الصد، كما أن التواضع يؤلف القلوب، ويفتح مغاليقها، ويجعل صاحبه جليل القدر، رفيع المكانة.

صور التواضع

وأشار إلى أن من صور التواضع : تواضع الإنسان في نفسه ويكون ذلك بألا يظن أنه أعلم من غيره، أو أتقى من غيره أو أكثر ورعاً من غيره، أو أكثر خشية لله من غيره، أو يظن أن هناك من هو شر منه، ولا يظنّ أنه قد أخذ صكاً بالغفران!! وآخر بدخول الجنة!!؛ لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

ونوّه بأن من التواضع ألا يعظم في عين الإنسان عمله، إن عمل خيراً، أو تقرب إلى الله تعالى بطاعة، فإن العمل قد لا يقبل، « وإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ».

وقال إن من عصمه الله تعالى، أنه إذا وجد من ينصحه ويدله على عيوبه قهر نفسه، وقبل منه، ودعا له وشكره. وأكد أن المستكبر صاحب نفسية متعاظمة لا يكاد يمدح أحداً أو يذكره بخير، وإن احتاج على ذلك شفعه بذكر بعض عيوبه.

أما إن سمع من يذكره ببعض عيوبه فهيهات أن ينصاع أو يلين، وما ذاك إلا لمركب النقص في نفسه، ولهذا كان من كمال الإنسان أن يقبل النقد والملاحظة بدون حساسية أو انزعاج أو شعور بالخجل والضعف.

طلب العلم

وحثّ د. محمود على التواضع في التعلّم، لافتاً إلى قول الإمام الشافعي رحمه الله: لا يطلب هذا العلم أحد بالملك وعزة النفس فيفلح، لكن من طلبه بذلة النفس، وضيق العيش، وخدمة العلم، وتواضع النفس أفلح كما نصح بالتواضع مع الناس، مؤكداً أن من طبيعة الناس أنهم لا يقبلون قول من يعظم نفسه ويحقرهم. ودعا إلى التواضع مع الأقران، مُشيراً إلى أنه كثيراً ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة والتحاسد، وربما استعلى الإنسان على قرينه، وربما فرح بالنيل منه، والحطّ من قدره وشأنه، وعيبه بما ليس فيه.

أصحاب المال

ولفت إلى أنه على الإنسان أن يتواضع مع من هو دونه، سناً، أو قدراً فلا ينبغي أن يحقره، فقد يكون أسلم منه قلباً، أو أقلّ منه ذنباً.

وشدّد على أن تواضع صاحب المال أمر في غاية الأهمية، مضيفاً إن مَنَّ الله عليهم بالمال، والجاه، والقوة، والنفوذ، أحوج الخلق إلى خلق التواضع. لأن هذه النعم مدعاة إلى الكبر والفخر. وما ابتليت الأمة بمصيبة الكبر إلا من هؤلاء.

وقال إن تواضع القائد مع الأفراد صورة عظيمة من صور التواضع، مؤكداً أن القائد الناجح هو الذي يخفض جناحه للأفراد الذين هم تحته.