بقلم : سامي كمال الدين -  إعلامي مصري ..
امتدت عيني إلى عينيه عابرة لقضبان الزنزانة المعتمة التي تفصل بيننا، والتي ليس فيها بريق سوى عيوننا التي تترقرق الدموع في محجريهم.

كنا نظن أن الحواجب والقضبان والعوازل سلطات مستبدة تحول بيننا وبين أوطاننا، فإذا بها تصل إلينا في منفانا، تحاصرنا، تضعنا في زنازين البلد الذي كان كريماً معنا، حين آمن بقضيتنا وفتح لنا أبوابه، فأحبنا وأحببناه.

صمت هشام عبد الله وصمتّ معه، لكنه كان كلاماً أكثر منه صمتاً.
لثوان ظننت أننا في سجن العقرب في مصر، وليس في قسم شرطة متروكنت في منطقة بشاك شهير في اسطنبول، لكني انتبهت للزمان والمكان.

حين طرقت الشرطة التركية باب بيت هشام عبد الله، كانت تبحث عن الذين انتهت إقاماتهم، وليس عن إرهابي عتيد، اسمه على قوائم الإنتربول في الكود رقم 87 الذي توضع فيه داعش، هذا الإرهابي الذي انتهى جواز سفره، ورفضت السفارة المصرية تجديده له، لمجرد معارضته لنظام السيسي، ويعيش بإقامة إنسانية!

اندهش ضابط الأمن التركي وهشام وأسرته، وراجعوا البيانات أكثر من مرة، إذ عرف الضابط أن هشام فنان وممثل معروف في مصر، وشاهد فيديوهاته على اليوتيوب ليتأكد أكثر، لكن الروتين الممل، وتنفيذ الأوامر جعلهم يصطحبون هشام معهم إلى قسم شرطة مترو كنت الذي ظل فيه لثلاثة أيام، وخرج قبل عيد الأضحى بيوم واحد.

أصبح الفنان هشام عبد الله صاحب الأدوار المتعددة في المسرح والتلفزيون والسينما المصرية إرهابياً!
من ابن سماسم العالمة في ليالي الحلمية لابن فريد شوقي في البخيل وأنا لضابط الشرطة مع يحيى الفخراني في مسلسل الليل وآخره، والخائف من نزول الماء في فيلم الطريق إلى إيلات حسب تصريح عزت العلايلي والجهبذ أحمد موسى، والعديد من الأعمال الفنية الأخرى مثل خالتي صفية والدير وبوابة الحلواني وتفاحة آدم ولحظات حرجة أصبح إرهابياً، ويجب تسليمه إلى مصر!

لم يكن اعتقال هشام عبد الله كاشفاً لأذناب نظام السيسي فقط، بل لبعض أطياف المعارضة الذين رفضوا التعاطف معه وزوجته، لاختلافهم معه، حتى أن بعضهم راح يردد بأن اعتقال أخوي زوجة هشام في مصر فيلم من تأليف وإخراج هشام وزوجته غادة نجيب، ولم يمر أسبوع وألقت الشرطة التركية القبض على هشام بناء على طلب من الإنتربول، وهنا تكالب هؤلاء على هشام بأنهم الأكثر مؤازرة له ودعماً، وأنهم سيخرجونه فوراً، لكن بقاء هشام في السجن لثلاثة أيام، كشف عن مزايدة رخيصة، ونبل مصطنع، وادعاءات زائفة، هي نفسها الادعاءات السابقة عنه وزوجته الناشطة السياسية غادة نجيب.

تحليلي لهذا الأمر يكشف ما كتبته سابقاً من مرور المعارضة المصرية في الخارج بمرحلة الهزال والضعف، في ضوء عدم تغير العوامل والقناعات التي قدموها للناس عن نظام السيسي، وعلقوهم بالأمل لسنوات خمس، فلما لم يتحقق على أرض الواقع السياسي شيئ مما وعدوا به الجماهير الغفيرة، وتناقض في الخطاب الإعلامي، انشغلوا بمعارك داخلية، وقصص وهمية عن أنهم الأكثر تأثيراً والأكثر تغييراً في العالم!

بالتأكيد الدور الذي تلعبه المعارضة في الخارج وإعلامها هام ومفيد، لكن كما قال الإمام الشافعي «إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ
إِنْ سَال طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ»

ربما ما حدث مع هشام عبد الله يحرك هذه المياه الراكدة، فأظن أن سبباً ما حدث معه من قبل نظام السيسي لتأثيره في شريحة مختلفة من الشعب المصري عن الشريحة التي يخاطبها إعلام الخارج، وهي الناس العاديون، الحرفيون والميكانيكية وسائقو الميكروباس والنجارون والكهربائية، وأغلب الطوائف التي تسكن المناطق الشعبية في مصر، أولاد البلد، المجدع، وقد وفق كثيراً في اسم برنامجه «ابن البلد» الذي قدمه في قناة وطن التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، ثم انتقل به إلى قناة الشرق، فشخصية عبد الله هي شخصية ابن البلد، البسيط، الباحث عن أوجاع الناس ليداويها، مثل طبيب القرية الذي يعالج كل المرضى بأجر زهيد، وابتسامة دائمة لكل مرضاه البسطاء الفقراء.

اتبعت الدولة التركية القانون الإنساني والقانون الدولي الوضعي، وسيرت الإجراءات المطلوبة، وقامت بالبحث المتبع في مثل هذه القضايا، وحافظت على آدمية هشام عبد الله وأنقذته من الترحيل إلى نظام السيسي، إيماناً منها بالقضايا العادلة.

رفضت تركيا ترحيل هشام عبد الله حتى لا يكتب التاريخ أن تركيا رحلت معارضاً مصرياً أعزل، لا يحمل سلاحاً سوى كلمته في مواجهة نظام يقمع بالقناصة والاعتقال والإعدام دون محاكمات عادلة، أو ضمير وطني، وكأن سجون السيسي الممتلئة عن آخرها، والتي وصل من فيها لأكثر من ستين ألف معتقل، بحاجة إلى معتقل جديد يضاف إليها..!

نظام يخاف من صوت فنان، ويريد ترحيله، ليس بنظام قوي، بل أضعف بكثير مما هو عليه، لذا حاول أن يداري ضعفه بقمع صوت فنان وإخراسه، حاول أن يقتل الرسالة التي اختار هشام عبد الله جمهورها، أو ربما أن طبيعة هشام عبد الله الممثل صديق الحرفيين والجزارين والميكانيكية في بولاق وامبابة والحلمية، والقريب من المعلمين والفواعلية في الكيلو أربعة ونص وعين شمس، وصديق باعة الخضر والفاكهة في سوق فيصل والهرم هي التي اختارت جمهوره فاستطاع أن يخلق وعياً جديداً لهؤلاء وينقذهم من غيبوبة الإعلام المصري، لو اتخذ فنانو مصر الموقف الثوري والسياسي والإعلامي الذي اتخذه هشام عبد الله لما وصلت مصر إلى مرحلة الانحطاط السلطوي الذي تعيشه الآن، لذا نحن بحاجة إلى ألف هشام عبد الله لإعادة وعي هذا الشعب المغيب بفعل عسكري، وبحاجة إلى الفن، إلى القوة الناعمة التي لم تضعها المعارضة في مكانتها الحقيقية حتى الآن.

samykamaleldeen@