بقلم - أحمد ذيبان:

يمكن النظر إلى «النسخة السابعة» من المصالحة الفلسطينية، التي ترعاها المخابرات المصرية، وفق معطيات وضعت حركة حماس أمام سكان قطاع غزة والرأي العام الفلسطيني عموماً، في موقف سياسي وأخلاقي، دفعها إلى تقديم تنازلات سياسية «مؤلمة»! حيث وصلت أحوال القطاع إلى مرحلة لا تطاق. كل أبواب العيش الكريم مغلقة.. أساسيات الحياة غير متوفرة، فقر وبؤس ربما يكون أعلى نسبة في العالم، هذه الظروف القاهرة نجمت عن الحصار الخانق منذ عام 2007، حصار خططت له وتنفذه إسرائيل وبمباركة من سلطة رام الله، وبمشاركة مصرية من خلال إغلاق معبر رفح وفتحه بالقطارة، وتدمير الأنفاق التي تشكل شرياناً بديلاً، لإدخال السلع والأدوية!

الاتفاق الجديد يطرح تساؤلات حول فرص نجاحه، بعد أن فشلت الاتفاقات السابقة عبر عشر سنوات: «مكة في العام 2007؛ صنعاء 2008؛ القاهرة 2011؛ والدوحة 2012؛ ثم القاهرة مرة أخرى 2012؛ واتفاق مخيم الشاطئ للاجئين في العام 2014 «، وها نحن أمام اتفاق القاهرة 2017، وهي اتفاقات تكرر نفسها، لكن الأمل بنجاح»النسخة السابعة» أصبح مطلباً ملحاً وأمنية للفلسطينيين، ولكل العرب الحريصين على الخروج من الحالة الكارثية التي تعيشها الأمة!

اختلط الحابل بالنابل في «المصالحة الجديدة»، التي تنطوي على مفارقات وغرائب يصعب استيعابها، حتى إسرائيل كانت حاضرة من خلف الأبواب، حيث أرسلت وفداً إلى القاهرة للضغط على مفاوضات المصالحة، لجهة نزع سلاح حماس والبحث في موضوع تبادل الأسرى، حيث تحتجز حماس رفات جنديين إسرائيليين!

وحركة حماس التي تعتبر «إرهابية» في فقه النظام المصري، ويحاكم الرئيس المعزول محمد مرسي بتهمة التخابر معها، أصبحت في ليلة وضحاها تتمتع بشرعية، يستقبل قادتها بالأحضان في القاهرة، ويتم التفاوض معها لإبرام صفقة المصالحة، أما القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، الذي يتمتع برعاية دولة الإمارات، سبق أن طردته حماس من غزة بما أسمته الحركة

بـ «الحسم العسكري» عام 2007، وسيطرتها بالكامل على القطاع. ومع ذلك فقد لعب دحلان دوراً بارزاً في التفاهمات، التي أبرمت بين حماس والمخابرات المصرية، وقادت إلى المصالحة مع فتح!

وعندما تم اغتيال القيادي في حماس «محمود المبحوح» في دبي عام 2010، كشف القيادي في الحركة محمد نزال أن الشخصين المتورطين في عملية الاغتيال لصالح الموساد، كانا يعملان في مؤسسة عقارية تابعة لدحلان في دبي. وسبق أن عملا ضمن الأجهزة الأمنية في غزة عندما كان يديرها دحلان.

والسؤال المحير، كيف يمكن التوفيق بين دحلان المفصول من فتح، ودوره الجديد من خلال التفاهم مع حماس؟ وهو تطور يحظى برعاية الإمارات، التي تتخذ موقفاً عدائياً من حماس وجماعة الإخوان المسلمين؟

ربما تكون فرص هذه المصالحة أفضل في النجاح، فثمة معطيات ومتغيرات إقليمية ودولية ضاغطة، وينبغي التنبه أيضا إلى حماسة النظام المصري لإنجاز الاتفاق، وعودة إلى الوراء قليلاً قد تفسر ذلك، ففي شهر أغسطس الماضي جمدت واشنطن مبلغ «95.7» مليون دولار، من قيمة المساعدات السنوية لمصر، وأخرت» 195» مليون دولار أخرى، بسبب فشل القاهرة بتحقيق تقدم في ملف حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية. وكان هذا القرار صفعة مفاجئة لنظام السيسي!

وقبل نحو ثلاثة أسابيع التقى السيسي، على هامش دورة الجمعية العامة في نيويورك، الرئيس الأمريكي ترمب الذي أكد دعمه للسيسي بقوة، وأنهما سيعملان معا لمواجهة «الإرهاب»، كما تحدث السيسي عما وصفه بـ «جهود مصر لإحياء عملية السلام، وتحقيق المصالحة الفلسطينية، كخطوة أساسية لاستئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي». وفي خطابه أمام الجمعية العامة، بعد لقائه العلني الأول مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، طالب السيسي الشعب الفلسطيني بقبول التعايش مع إسرائيل.

من الواضح أن هناك قبولًا أمريكيًا إسرائيليًا للمصالحة الفلسطينية الجديدة، وأن السيسي يسعى لخدمة واشنطن وتل أبيب باستخدام ورقة المصالحة، في ضوء ما يشاع عن «صفقة القرن» لتسوية القضية الفلسطينية!

 

صحفي وكاتب أردني

Theban100@gmail.com