بقلم - فــادي محمد الدحدوح:

تُواجه الجامعات العربية بوصفها مؤسسات للتعليم العالي العديد من التحديات بعضها خارجي يفرضها الواقع الدولي والتحولات العالمية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والعلمية، والتي منها استحداث نظم تعليميّة حديثة مثل التعليم عن بُعد، وتطوّر مجالات البحث العلمي، وتزايد استخدام الوسائط الإلكترونيّة في الجامعة، وزيادة التعاون العلمي بين مؤسسات التعليم العالي، وتدويل التعليم. وبعضها الآخر مجموعة التحديات الداخلية الخاصة في المجتمعات المحلية التي تقدّم هذه الجامعات خدماتها فيها؛ والتي منها ضعف الطاقة الاستيعابية لهذه المؤسسات، وتزايد الطلب الاجتماعي عليها، وصعوبة التوازن بين الكم والنوع في منظومة العمل في هذه المؤسسات، وصعوبة التكيف مع متطلبات السوق في هذه المجتمعات، وضعف مخرجات المؤسسات المتمثلة في الأعداد الهائلة من الخريجين غير الملائمين لمستجدات العصر في ظل تغيير طبيعة وأشكال مهن المستقبل.

إن وجود الجامعة يقترن بوجود ثلاثة أمور مهمة وهي الفكر، والعلم، والحضارة، وهذه المفاهيم مترابطة وتكمل بعضها البعض الآخر، وأن للجامعة رسالة وأهداف محددة هي التدريس، والبحث العلمي وخدمة المجتمع، وهذه الوظائف العامة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان، فالجامعة هي مؤسسة اجتماعية وثقافية وتربوية وبذلك عادة ما توصف الجامعات بأنها مراكز إشعاع حضاري وعلمي للإنسانية جمعاء، علاوة على أن الجامعة لا يمكن لها أن تعيش في برج عاجي ومنعزلة عن المجتمع وثقافته.

ولضمان تحقيق مؤسسات التعليم العالي لرسالتها في قيادة حركة التغيير الاجتماعي المنشود لا بد أن تنطلق من وعي عقلاني ملم بالتغيرات الجذرية التي ينبغي إحداثها، ما يتطلب تقييم الواقع التربوي وتحديد نقاط الضعف فيه ومقاربتها بالتحديات الوطنية والقومية والعالمية، إن الجامعات تعد مركز إشعاع حضاري لأي مجتمع من المجتمعات، وهي بمثابة محور الارتكاز الذي تدور حوله أهداف الجامعة وسياساتها وإستراتيجياتها وخطط عملها.

إن الجامعات العربية يجب أن تؤدي دوراً مهماً ومميزاً وشاملاً في ممارسة البحث العلمي؛ لأن البحث العلمي الآن يعتبر من أهم أركان الجامعات، وهو مقياس ومعيار مستواها العلمي والأكاديمي، والجامعة في الوقت نفسه المكان الأول والطبيعي لإجراء البحوث وذلك لأسباب كثيرة أهمها: وجود عدد كبير من الاختصاصيين من أعضاء هيئة التدريس، ووجود عدد من مساعدي البحث والتدريس وطلبة الدراسات العليا، وتوفر مستلزمات عديدة للبحث مثل المختبرات والإمكانيات والأجهزة والأدوات لإجراء القياسات الموضوعية والدقيقة، وتوفر مصادر جمع البيانات للازمة للبحث العلمي.

على أن جامعاتنا العربية بشكل عام قد استجابت بدرجات بطيئة ومتفاوتة للتقدم التكنولوجي في العقود الماضية؛ حيث ثمة جهود قامت لتطوير التعليم الجامعي العالي منها ما اشتمل على إدخال نظام التعليم عن بُعد واستحداث نظام الانتساب الموجه واستخدام شبكة الإنترنت في التعليم الجامعي، وتطوير تخصصات جديدة تتناسب مع حاجات سوق العمل، واعتبار الجامعات ومؤسسات التعليم العالي كبيوت خبرة. إلا أن ما نعاصره اليوم من تدفق مذهل ومتواصل من الموارد المعرفية، يمثل ظاهرة غير مسبوقة ولم تعهدها المؤسسات التربوية من قبل، ما يضعها في أزمة الاستجابة لها كما هو الحال في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما جرى فيها من محاولات التصحيح والتكيف الهيكلي.

إن الجامعات العربية يمكنها أن تسهم في تكوين وتشكيل المعرفة وذلك لما تمتلكه من أجهزة متطورة ومناهج ومقررات علمية معاصرة، وكفاءات قيادية إدارية وأكاديمية متنورة يفترض أنها تمثل الصفوة، فالجامعات اليوم لا تقاس بالأرقام القياسية المتمثلة بأعداد الطلبة والمدرسين والمباني الفخمة وإنما تقاس بأعداد الأبحاث العلمية التي تساهم في تنمية المجتمع، فهي تعتبر مراكز بحثية وعلمية وإنتاجية تساهم في إعداد الأجيال المتعاقبة وتأهيلها وتدريبها وفق منهجية علمية سليمة، وهي بذلك تصبح ذات رسالة علمية وإنسانية وحضارية وثقافية. وإضافة إلى تلك الخدمات والوظائف للجامعات فإن لها ووظيفة جديدة هي بناء مجتمع المعرفة من خلال توليد المعرفة والمعلومة والتعامل معها بسهولة وبثها عبر تقنيات المعلوماتية المعاصرة، وبذلك نرى أن الجامعات هي المكان الحقيقي والمناسب في تنمية مجتمع المعرفة وبنائها.