الدوحة - الراية : أكد فضيلة د. محمود عبدالعزيز يوسف أن العبادة والطاعة وقت غفلة الناس أعظم أجراً لأنها أشق على النفس و أعظم الأعمال وأفضلها هو أشقها على النفس موضحاً أن النفوس تتأسى بمن حولها فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم فسهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدون بهم فيها. 

وأشار إلى ما رواه الترمذي وأبو داود من حديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « للعامل منهم أجر خمسين منكم، إنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون»

وأوضح د. محمود عبدالعزيز في محاضرة بعنوان « الاجتهاد في شعبان والمنحة الربانية» أن الفرض يسبقه نافلة ويعقُبه نافلة، والنافلة التي تتبع الفرض وتكون بعده إنما تكون لجبر النقص الذي تم في الفرض، وأما السنة القبلية والتي تسبق الفرض فهي توطئة والتمهيد لاستقبال الفرض، وتعويد النفس على فعل الخير.

التدريب في شعبان

ولفت إلى أن من تَدَّرب في شعبان على الصيام، والقيام، وقراءة القرآن، والصدقة، كان حاله كذلك في رمضان ومَـن لم يتعود من الآن على فعل الخيرات؛ فإنه سيخرج من رمضان كما دخل فيه، وله حظ ونصيب من الحديث الذي أخرجه الترمذي والحاكم: رغِم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغْفر له.

و قال : الاجتهـاد في شعبان يكون عـن طريق المحافظة على الفرائض، وعدم التفريط فيها، والإكثار من النوافل مسترشدا بقول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ.

مجاهدة النفس

وأوضح أن مجاهدة النفس، والإكثار من النوافل سبب لمحبة الله، وهي سبب في سكنى أعلى درجات الجنة مع الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم لافتا إلى ما روى أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أهل الصفة -رضي الله عنه- حيث قال : كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال : ( سلني )، فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة، فقال : ( أو غير ذلك ؟) قلت : هو ذاك، قال : (فأعني على نفسك بكثرة السجود)

وأكد أنه بكثرة السجود يصل المرء إلى هذه الأشواق العالية من مصاحبة خير البرية في الجنة، ولا تكون هذه المصاحبة بالأماني والادعاءات الكاذبة .

فعل الخيرات

وأشار الى ان الاجتهاد في شعبان يكون حتى يتعود الإنسان منَّا فعل الخيرات وترك المنكرات فيكون له سجية وطبعاً وعادة، والأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « الخير عادة والشر لجاجة، ومَن يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدين»

ودعا إلى الإكثار من الصيام في شعبان مشيرا الى حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان»

وتابع : أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: « لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله» وفي رواية في الصحيحين: «كان يصوم شعبان إلا قليلاً.»

فضل الصيام

وأوضح أن الذي يدفع الإنسان للإكثار من الصيام في شعبان، وفي غيره من شهور السنة أن يعلم فضل الصيام مسترشداً بما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصوم عبد يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً.

وفيما يتعلق بالصيام بعد النصف من شعبان قال د. محمود عبدالعزيز: الراجح: هو قول الجمهور على جواز الصيام بعد النصف من شعبان، على أن يتوقف عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين، إلا صوماً كان يصومه أحدهم، أي أنه إذا كان من عادته صيام الاثنين والخميس فجاء رمضان يوم الثلاثاء، فلا مانع أن يصوم يوم الاثنين، وهو ما قبل رمضان بيوم، فهذا جائز بنص الحديث .

الإكثار من الصدقة

وأوضح أنه يستحب الإكثار من الصدقة، وقراءة القرآن في شعبان لافتا إلى قول ابن رجب ـ رحمه الله ـ : والصيام في شعبان تمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته؛ فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان، شُرِع فيه ما شُرِع في رمضان، من الصيام، وقراءة القرآن؛ ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن.

أسباب الاجتهاد

وبين المحاضر أن من أسباب الاجتهاد في شعبان هو أنه ترفع فيه الأعمال مشيراً إلى ما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين، فأحِبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم.

وأوضح أن رفع الأعمال إلى رب العالمين يكون برفعها على الله تعالى رفعاً عاماً كل يوم

كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم -وهو أعلم بهم-؟ كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصلُّون وأتيناهم وهو يُصلُّون».