بقلم - أحمد ذيبان:

تعكس مواقع التواصل الاجتماعي سلوكيات ومستويات مستخدميها الثقافية والاجتماعية، وخاصة «الفيس بوك» الأكثر شعبية، وأصبحت أشبه بمرآة نرى من خلالها تفاصيل حياتنا، وأحدثت متغيرات هائلة في مختلف جوانب الحياة، لدرجة أن وسائل الإعلام الشهيرة، أصبحت تعتمد إلى حد كبير في الترويج لمنتجها الإعلامي على المتابعين من خلال هذه الوسائل.

وتأثير هذه الوسائل تجاوز البعد الاجتماعي إلى السياسي، وربما أحد النماذج الواضحة على ذلك، الحضور الطاغي عبر هذه الوسائل، للأزمة التي افتعلتها «دول الحصار» ضد دولة قطر، ويمكن للمراقب رصد الدور الكبير الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الأزمة، عبر الأخبار والتعليقات و«الهاشتاجات» والحملات الإلكترونية، التي يطلقها نشطاء يتبعون الدول التي تروج للأكاذيب وتزوير الحقائق، أو حملات مضادة ترمي إلى دحض تلك السياسات وكشف زيفها.

وثمة تأثيرات اقتصادية للحياة الإلكترونية، وتشير الدراسات إلى أن خسائر العالم من الجرائم الإلكترونية وانتشار ظاهرة القرصنة، تصل إلى حوالي 8 مليارات دولار سنوياً، وعلى سبيل المثال فإن عدد الجرائم الإلكترونية في الأردن، يقدر بأربعة آلاف قضية سنوياً!

وبسبب طغيان هذه الوسائل على حياة المجتمعات، وما أحدثته من تغييرات اجتماعية وسياسية وثقافية، وتوجيه سلوك وآراء الأفراد نحو قضايا معينة، خاصة في البلاد العربية التي تنعدم فيها الثقة بين المواطن والحكومة. برزت الحاجة إلى قوننة وسائل التواصل الاجتماعي، لوقف الفوضى والعبث وحماية المجتمع من تغولها أولا، ومن جهة أخرى تحتاج الحكومات لإجراءات صارمة لكبح سقف حرية التعبير، التي أصبحت تطال حتى أداء المؤسسات والبرلمانات المنتخبة، بسبب اعتقاد نسبة كبيرة من الرأي العام، بأن تلك المؤسسات مدجنة ويسعى أعضاؤها لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية.

ويحتدم في الأردن هذه الأيام جدل واسع، حول تعديلات على قانون «الجرائم الإلكترونية» أعدتها الحكومة، حيث تنقسم الآراء حولها، فالمعارضون يعتبرونها تهدف إلى تقييد حرية التعبير وتكميم الأفواه، التي توفرها مواقع التواصل الاجتماعي، فيما يحاجج المتحمسون لها وخاصة المسؤولين، بالتأكيد على أن هذه التعديلات أصبحت ضرورية لضبط هذه التطبيقات، وحظر «خطاب الكراهية الذي يرمي لإثارة الفتنة أو النعرات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الإقليمية، أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات» وكذلك تجريم الابتزاز والمقامرة والأمور المتعلقة باستغلال الأطفال جنسياً. ويلاحظ في الفترة الأخيرة تزايد الأحكام في الأردن، التي تصدر بحق أشخاص بتهم الالتحاق أو الترويج لأفكار جماعة إرهابية «داعش» عبر الإنترنت، وهي تهم جديدة دخلت قاموس القضاء الأردني!

إيجابيات مواقع التواصل الاجتماعي عديدة، ولنتذكر أن «الفيس بوك» كان أداة أساسية، في التحشيد والتواصل بين النشطاء عندما هبت رياح الربيع العربي، قبل أن يتم الانقضاض عليها من قبل قوى الثورة المضادة وأجهزة الدولة العميقة! لكن الوجه السلبي لهذه الوسائل، يعكس تباين مستويات المستخدمين.. الثقافية والأخلاقية والاجتماعية، ويلاحظ ذلك بالكم الهائل من المنشورات والتعليقات والصور الساذجة والسطحية، التي تتعلق بالحياة الشخصية ولا تعني الآخرين، وخلال ساعات الليل يمضي الكثيرون ساعات في «سهرات»! الفيس بوك حيث تجد فيها الغث والسمين من كل الأنواع! وأصبح اهتمام الكثيرين ينحصر في نشر صور وأخبار شخصية، تتعلق بنوعية الطعام والشراب الذي يتناولونه، أو زيارات ولقاءات شخصية، وإذا نشرت فتاة أو سيدة صورتها مع فنجان قهوة! فإنها تحظى بعدد كبير من تعليقات المدح وعلامات الإعجاب «اللايكات»، تفوق بكثير اهتمام هؤلاء المعجبين بمقال رصين أو تعليق جاد حول قضية هامة، يكتبه كاتب أو صحفي أو سياسي!

والأخطر من ذلك أن الشبكة العنكبوتية، تحولت بالنسبة للبعض إلى منصات للقدح والذم والتشهير وشتم الآخرين والتعبير عن الكراهية، وانتهاك الخصوصيات الشخصية والعائلية! وفي كل الأدوات التي ينتجها ويستخدمها الإنسان بما فيها التكنولوجيا الرقمية، ثمة جوانب إيجابية وسلبية، وبجانب السلبيات والمحاذير لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، هناك جوانب إيجابية ينبغي تعزيزها، في مقدمتها رفع سقف حرية التعبير عبر منابر متاحة للجميع، وكسر هيمنة السلطة على وسائل الإعلام.

 

صحفي وكاتب أردني

Theban100@gmail.com