• عباس لم يكن مرتاحاً لأفكار المسؤول الألماني خلال زيارته لرام الله
  • سياسيون ألمان يسعون لاستمالة رضا الإسرائيليين بشتى السبل
  • الإسرائيليون سعداء بتنحية جابرييل بسبب مواقفه الناقدة لممارساتهم

برلين - الراية:

تشهد السياسة الألمانية تغييراً في موقفها تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وحقوق الشعب الفلسطينية التاريخية. هذا التغيير هو أقرب إلى انقلاب سياسي مضاد لمواقف برلين السابقة ويقود التغيير وزير الخارجية الجديد هايكو ماس الذي حل محل زيجمار جابرييل صاحب المواقف الناقدة للممارسات الإسرائيلية والرؤية المتوازنة للصراع.

وفي اليوم الذي كان مقرراً فيه أن يزور هايكو ماس، الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحديث حول السلام في المنطقة، كان ماس على علم مسبق أنه يتزامن مع عيد ميلاد عباس، فرغب في تقديم هدية له في المناسبة.

وقال ماس إنه قدم التهاني بهذه المناسبة لعباس باسمه وباسم الحكومة الألمانية ثم قدم له هدية تُعتبر مخجلة وكانت عبارة عن مرطبانات «مخلل الخيار» البرليني، الذي لا يتناوله العرب لأن طعمه يختلف تماماً عن مخلل الخيار العربي الفاخر، ما يفسر أن الهدية متواضعة جداً رغم أن سلفه كان يفضل تقديم هدايا ذات مغزى مثل قطعة من جدار برلين، لكن لم يأت ماس بخيار مخلل وإنما بأفكار مخللة أيضاً.

المراقبون يتساءلون إذا كان نهج وزير خارجية ألمانيا الجديد، بداية انسحاب ألمانيا من سياستها النشطة في الشرق الأوسط، وخطورة ذلك على مستقبل عملية السلام.

وصدرت ملاحظة مثيرة للجدل عن الوفد الألماني بعد الاجتماع مع عباس، حين ظهر ماس في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفلسطيني رياض المالكي وليس مع عباس كما تجري العادة. وذكرت مصادر فلسطينية مطلعة أن عباس لم يرتح لأفكار المسؤول الألماني الذي طلب منه الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية حول السلام في المنطقة وليس مع إسرائيل وهذا مطلب إسرائيلي معروف.

وكان وزراء خارجية ألمانيا الذين سبقوه في منصبه، يصرون على أن حل الدولتين هو الخيار الأفضل للتوصل إلى تسوية، وبينما قال عضو في الوفد الألماني أن موقف عباس يتغير باستمرار، أكد مراقبون أن عباس لم يتفق مع ماس على الموقف، خصوصاً أن الوزير الألماني أعلن قبل الزيارة انحيازه التام لإسرائيل وذلك خلافاً لموقف سلفه زيجمار جابرييل، الذي ارتاح الإسرئيليون لتنحيه عن منصبه مثلما ارتاحوا عندما انتهت ولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وفوز دونالد ترامب حيث ترى إسرائيل نفسها اليوم في وضع مريح، إذ غاب منتقدو سياستها في الغرب واستخدامها العنف المفرط في غزة هذه الأيام وقراره عدم السماح بإجراء تحقيقات دولية مستقلة للنظر باتهامها قتل متظاهرين مسالمين في القطاع بمناسبة يوم العودة الكبرى، علامة واضحة على عدم خشيتها محاسبة دولية وبالتأكيد التعرض لانتقاد من الخارج.

وتجدر الإشارة إلى ملاحظتين تم تسجيلهما على هامش الأحداث الدامية الأخيرة في غزة. فقد استعانت القناة الثانية الرسمية للتلفزيون الألماني بشريط بثه التلفزيون الإسرائيلي حول التظاهرات، بما في ذلك ظهور ناطق عسكري إسرائيلي حمّل حركة «حماس» كامل المسؤولية، وزعم أن إسرائيل تدافع عن نفسها. ثم ظهر مراسل التلفزيون الألماني ليعيد ما قاله الناطق العسكري الإسرائيلي.

وهكذا كانت هناك رغبة في إيصال رسالة إسرائيلية للرأي العام الألماني. هل معنى ذلك أنه لم يعد مسموحاً انتقاد إسرائيل. ففي هذه الفترة يدور جدل في ألمانيا بعد اتهام العائلات العربية المهاجرة بمعاداة السامية، عقب شكوى فتاة يهودية من أنها تعرضت للإهانة من قبل تلاميذ عرب.

ويريد سياسيون ألمان استمالة رضا الإسرائيليين وأصبحوا يدعون إلى مكافحة معاداة السامية ومعاقبة مرتكبي مخالفات تتعلق بها والبدء في مكافحتها في المدارس خاصة التي فيها طلبة عرب. وسبق وأن تم في السابق اقتراح تنظيم زيارات يقوم بها طلبة عرب ولاجئون عرب إلى معسكرات الاعتقال النازية في ألمانيا ليتم تغيير نظرتهم إلى اليهود.

وتبجح ماس بالصداقة التي تربطه مع وزيرة العدل الإسرائيلية أيليت شاكيد المعروفة بموقفها الرافض للصلح مع الفلسطينيين وبتصريحاتها العنصرية ضد العرب والمسلمين التي أثارت سخط العالم. وتنتمي شاكيد إلى حزب «البيت اليهودي» المتطرف ويعملان معاً منذ أن كان ماس وزيراً للعدل في ألمانيا في مشروع مشترك.

وقد تعهد ماس في لقائه مع المسؤولين الإسرائيليين أن يكافح معاداة السامية في ألمانيا وأوروبا، خاصة أنه كشف بعد استلامه منصبه أن «المحرقة» كانت الدافع الشخصي له لدخول معترك السياسة والانتساب إلى الحزب الاشتراكي الألماني، وليس بسبب ولعه بزعيم الحزب الراحل فيلي برانت. كما قال مرة: لم أجد في أسرتي شخص واحد قاوم هتلر، لقد كانوا جميعهم يؤيدونه.

وهكذا ركع وزير الخارجية الألماني الجديد للإسرائيليين قبل أن يصل إلى إسرائيل، حيث لم يذكر كلمة واحدة حول الاستيطان، ولقي موقفه كل ترحيب من قبل المسؤولين الإسرائيليين الذين تخلصوا من هاجس وزير الخارجية الألماني السابق جابرييل الذي وصف إسرائيل عندما شاهد ممارساتها الاستيطانية على حساب الفلسطينيين أنها دولة عنصرية، ويُعتبر جابرييل آخر سياسي ألماني ينتقد إسرائيل.

لم يقدم ماس خلال اجتماعه مع نتنياهو مرطبانات المخلل البرلينية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، لكنه قدم له هدية سياسية لم يكن يتخيلها، وهي تراجعه 180 درجة عن موقف سلفه جابرييل لصالح إسرائيل وضد تطلعات الفلسطينيين.