جهاد فاضل:

قد يكون عنوان هذا الكتاب لحسن عبدربّه المصريّ: «ثرثرة على ضفاف عمّنا نجيب محفوظ» مُفتقراً إلى الرصانة المُفترضة في عناوين الكتب، ومباسطة زائدة عن الحدّ في التعامل مع مؤسّس الرواية العربية وكبير الروائيّين العرب الفائز بجائزة نوبل، ولكنّه كتاب يحيط بمجمل عالم نجيب محفوظ ويصلح كمدخل للتعرّف إليه بالنسبة للقارئ العادي، وقد بدأه بمقدّمة ورد فيها أن نجيب محفوظ لن يكون آخر الليبراليّين الكبار من أمثال أحمد لطفي السيّد، وعبّاس محمود العقاد، وطه حسين وتوفيق الحكيم، وميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، وعشرات غيرهم، لأنّ قيم الليبرالية والتعددية الفكرية وحتى الاختلاف والإبداع الحرّ بعيداً عن قوالب الأيديولوجيا والشعارات لا بدّ أن تسود في قادم الأيّام، كما ورد فيها أن نجيب محفوظ سُئل في المرحلة الأخيرة من حياته عن أهمّ ما يشغله وهو في هذا المُنحنى الصّعب من حياته، فأجاب: «أسرتي وحسن الختام»، وشرح ذلك فقال: أقصد أن تكون النهاية سهلة، فالناس يتركون هذه الدنيا على أحوال، البعض يتركها كأنه كان في نزهة ودون أن يدري يجد نفسه قد تركها، والبعض الآخر يخرج منها بتعب. «أنا كان لي شقيقان أحدهما كان آخر أسبوعين من حياته من الشدّة حتى كنّا نتألم له بسبب إصابته بالسرطان، أما الثاني فكان يشرب الشاي مع ابنه، كان ابنه يكلّمه، ولما لم يردّ عليه التفت إليه فوجده قد فارق الحياة»!

ولكن مضمون الكتاب يجافي عنوانه الهازل فيتضمن تحليلات جيّدة لعالم الروائيّ العربيّ الكبير مثل البعد الإنسانيّ في إبداعاته، وما تُثيره شخصيّته وتكوينه من أسئلة، ونجيب محفوظ قبل نوبل وبعدها، كما ينشر مقتطفات من مقالة شهيرة لسّيد قطب كتبها في وقت مُبكر عن نجيب محفوظ الذي كان يومها في مُستهل رحلته الروائيّة والأدبيّة.

وحول البُعد الإنسانيّ في إبداعات نجيب محفوظ، يقول الباحث إن النّقاد لاحظوا منذ البداية اهتمام نجيب محفوظ بالمدن وساكنيها دون أن يبدي اهتماماً ولو من بعيد بالريف المصري وفلّاحيه، حتى أن القارئ يشعر أن شخوص المدن التي يقرأ عنها في رواياته، مقطوعة الصلة، ليس لهم أقارب في قرى الدلتا أو الصعيد.

الكاتب المسرحي ألفريد فرج يقول إن التأمل الجغرافي والتاريخي لعالم نجيب محفوظ الروائي بين مدينتي القاهرة والإسكندرية، يساعدنا على أن نفهم حرصه على رصد الحياة بشكل أساسي فيهما، فليس الأمر، في رأيه ككاتب مسرحي، قاصراً فقط على كونه «من سكان القاهرة». فغالبية الأدباء أمثال محمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم وطه حسين ويحيى حقي وعبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس ويوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس «كتّاب قصص قاهريون»، لكنهم كتبوا عن الريف وعن المدينة وعن الصعيد، إنما لأنه رأى» نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ تخصّ هاتين المدينتين بشكل محدّد»، جعل منهما ميداناً لغالبية قصصه ورواياته.

وهكذا رصد نجيب محفوظ الحياة المُعاصرة في القاهرة والإسكندرية منذ الحرب العالميّة الأولى إلى ما بعد مرحلة الانفتاح الاقتصاديّ التي ميّزت مرحلة أنور السادات، وهو لهذا السبب من وجهة نظر ألفريد فرج أقرب إلى عبدالرحمن الجبرتي المؤرّخ الكبير، وعلى منواله سار واصفاً وقائع القاهرة وعاداتها وتقاليدها وآمال وأحلام وآلام أهلها وفقرهم وثراءهم والعلاقات الأسرية والاجتماعية والطبقية ومقدرات الحب والزواج والعشق والطّلاق التي تجمع بينهم.

«الحارة» عند نجيب محفوظ نموذج للمجتمع، بل هي على حدّ قول يوسف القعيد، مجتمع له قوة مؤثرة في الحياة المصرية العامة، لكن هذه القوة تلاشت بسبب عزلة سكّانها وتفكّك مجتمعهم المتجانس، فصار الفرد سلبياً؛ لأنه انشغل بنفسه، وفاقم من هذه السلبية التخطيط العمرانيّ العشوائيّ والنمو السكانيّ غير المُنضبط.

ويقول لويس جريس:«أثارت كتابات نجيب محفوظ في نفس القرّاء غضباً من الواقع المهين للرجل والمرأة ومن ازدواجية القيم في المجتمع، وكانت تدعو إلى التمرّد على النمط اليوميّ للحياة، وتحفّز على الثورة ضدّ الظلم والقهر والاستبداد وتبشّر بحياة أفضل».

أما يوسف الشاروني فيرى أن نجيب محفوظ كاتب متطوّر في تفكيره وفي أسلوبه، يحاول أن يجدد نفسه وأن يكتشف كل يوم عوامل مُتغيرة، وحتى في مرحلته المبكرة لم يكن يكتب لمجرّد الكتابة لأن استلهامه للتاريخ الفرعونيّ يبرهن على أنه يتخذ موقفاً عما يحدث في وطنه.

الدكتور جابر عصفور يرى أن نجيب محفوظ واحد من الكتّاب الاستثنائيّين الذين يقفون بحضورهم العبقري علامة فارقة في تاريخ الكتابة الإبداعيّة لكاتب عصري عربي إنساني يجمع في كتاباته ما يصل الإنسان بالإنسان على امتداد الزمان والمكان، وعلى اختلاف اللغات والديانات والأعراق.

والواقع أن كتابات نجيب محفوظ تجسّد إبداعيّاً رؤية متقدّمة شاملة في إنسانيتها، نافذة في خصوصيتها، عميقة في محلّيتها، ضاربة بجذورها في تاريخها.

ثمة رؤية بطلها الإنسان الباحث عن العدل الاجتماعي في صراعه مع أقرانه، والباحث عن اليقين في صراعه مع الزمن الذي لا يكفّ عن العراك مع واقعه احتجاجاً على حاضره، ولا يكفّ عن إيمانه بالعلم سبيلاً لمواجهة حاضره ودليلاً له إلى المُستقبل الواعد.

هذه الرؤية تنحاز إلى الفقراء الباحثين عن العدل، الحالمين بقيم الحرية والمساواة والعدل والديموقراطية في مقابل ظلم جميع قوى السلطة التي تعمل على سحقهم.

وتنحاز كذلك ضدّ الشرّ وضدّ احتكار المعرفة، وإلى جانب الساعين إلى التحرّر وإلى امتلاك حقهم في التجريب والمُغامرة من أجل صنع مستقبل يعطي لوجودهم معنى ومغزى.

في «الثلاثية» حرص نجيب محفوظ على أن يزرع ملحمته الخالدة التي احتوت جيلين (١٩١٧ / ١٩٤٤) من أسرة تربّت في منطقة الجمالية وخان الخليلي، في رحم الحارة التي جاءت رمزاً مجازياً للتعبير عن آمال وإحباطات شعب كان يحاول الخروج من اختناقات ماضٍ يكبله إلى رحابة المستقبل بكل اتّساعه.

الجدير بالتنويه هنا أن «الثلاثية» التي تُعدّ من أبرز إبداعات الأدب العربي، عندما عرض نجيب نسختها الخطية عام ١٩٥٤ على الناشر سعيد السحّار، وكانت باسم «بين القصرين» أمسك الناشر بالمظروف الذي يضمّ أوراقها الألف، وقال لصاحبها: «إيه يا أستاذ الداهية دي؟ مين مستعدّ ينخرب بينه عشان يطبعها؟».

مكوّنات المكان عند نجيب محفوظ تمثل صورة من صور التصادم الإنسانيّ الاجتماعيّ بين الاشتغال بالتجارة والالتحاق بوظيفة حكومية، وبين المدارس والمقاهي، وتعكس صوراً من أشكال صراع المصريين مع جنود الاحتلال، كما تعكس صوراً من الاحتكاك اليومي بين الرجال والنساء والعوام والمتعلمين والشباب بكبار السنّ.

المكان الإنسانيّ الممتدّ بين شوارع الجمالية والحسين ينطبع بحاراته وطرقاته الضيقة والمسدودة في بعض الأحيان، على شخصية كل أبطاله ويحدّد أقدارهم ومصائرهم.

ورواية «زقاق المدق» (١٩٤٧) تقلص إطارها عنده في مكان شديد الضيق رغم تمدد أحداث الرواية إلى وسط القاهرة ومعسكرات القوات المحتلة في مدن القناة، وعندما كتب رواية «حضرة المحترم» (١٩٧٥) حرص على أن يقيم بطله الذي ولد لصاحب عربة تجرّها البهائم، بعد أن شغل وظيفة كتابية بأرشيف وزارة الأوقاف، في حي الحسين.

محورية المكان عند نجيب محفوظ جعلته يسير على خطى أساطين الرواية العالمية حتى قبل أن يصبح واحداً منهم، ويشير النقاد بهذا الخصوص إلى نماذج من أدب ديكنز.

ويبدو أن الميول الشخصية التي خلقها الله في ذاته هي التي حدّدت علاقته بالمكان سواء كان حي الحسين أو المقاهي أو الكازينوات أو أحياء أخرى بعينها في الإسكندرية، وليس في مقدور أحد أن يفلسف تناغمه مع أيّ من هذه وابتعاده عن غيرها، إنها الميول الشخصية والنفسية وأحاسيس المبدع وملكات التقاطه للصور واختزانه للحوادث ولمواصفات الأشخاص التي عندما تتفاعل معاً، كيميائياً، تُبلور في شكل عمل ما.

لذلك يرى جمال الغيطاني أن لحظة الإحساس بالمكان وإن اختفت من الواقع في بعض الأماكن الشهيرة، فإنها ما زالت باقية ضمن صفحات روايات نجيب محفوظ يمكن أن ندركها ونشمّ عبقها.

أما خواطره التي صاغها بعنوان «أحلام فترة النقاهة» فهو يفرّق بينها وبين رواية «رأيت فيما يرى النائم» (١٩٩٧) قائلاً: المفارقة تكمن في أن أحلام الرواية كانت تأليفاً، أما أحلام فترة النقاهة فهي حقيقية أشاهدها فعلاً وبكثرة، أنام أحلم، أغفو وقت الظهر أحلم، أكون بمفردي أحلم، وكل ما أفعله أنني أدوّن شيئاً عما أحلم به لا الحلم كله!.

كان نجيب محفوظ يكتب الحلم بنفسه، لكنه دأب لاحقاً على إملاء ما يراه في أحلامه بشكل فني على محمد صبري بعد أن أصيبت يده اليمنى بعطب على أثر محاولة اغتياله التي تعرض لها في أكتوبر ١٩٩٤، ولما تأخر محمد صبري عليه مرة أملاها على رئيسة تحرير «نصف الدنيا» سناء البيسي.

وقد عكست هذه المجموعة من الأحلام التي نشر منها أكثر من مئتي حلم، العلاقة الحميمة التي ظل يحتفظ بها لوالدته حتى أواخر سنوات عمره، فكان يصفها دائماً بالنافذة التي أطل منها على العالم منذ بداية حياته.

وتبقى أعظم النهايات الفلسفية والصوفية التي صاغها الروائي الكبير الخالد عبارات جاءت في قصة قصيرة سمّاها «الجرس يرنّ» عكست تأملاته في قضية الحياة والموت، وكعادته في مثل هذه القضايا الشائكة، يلجأ باقتدار إلى الرمز بحثاً عن الحقيقة.

تقول الحبكة الدرامية:

«رجل عجوز يهيئ نفسه للخروج من البيت لزيارة ابنته المتزوّجة، لكنه يفاجأ قبل أن يفتح الباب بمن يطرق الباب عليه، فيفتح الباب له الباب، ثم يتصل بابنته ويخبرها بأنه سيتأخر قليلاً فتحثّه على الإسراع بالحضور، يصرّ الطارق على أن يأتي الرجل معه أوّلاً، ويطلب منه أن يعدّل في مظهره ويغيّر ملبسه إلى ما هو أفضل، ولما يفعل، ينظر إليه ويثني على ذوقه، ثم يتأبط ذراعه ويمضي به».

الواضح من الحوار أن ملك الموت كان هو الطارق الذي خرج معه العجوز.

ويقول المؤلف في فصل آخر إن نجيب محفوظ رغم إعجابه بتوفيق الحكيم وقربه منه بعد انضمامه إلى مجموعة كتاب «الأهرام» عام ١٩٥٧، أصرّ منذ البداية على أن يكون له شكله الفني الخاص به ورؤيته المتفرّدة للواقع وللتاريخ، من هنا جاء تمرّده على القالب التاريخي الجامد واستعاض عنه بملامسة الواقع المحيط به وما يدور فيه من أفكار ورؤى وتيارات سياسية واجتماعية متقابلة ومتغيّرة، فكتب رواية «القاهرة الجديدة» (١٩٤٦) التي سمّى فيها الأشياء بأسمائها الحقيقية وتناول النظام السياسي والاجتماعي في مصر بواقعيّة وصدق لاذعين.

وكثيراً ما أكّد أنه ليس مؤرخاً لا لثورة يوليو ولا للأحداث الواقعية أو التاريخية التي مرّ بها وتعايش معها المجتمع المصري.

وبعد توقف دام نحو سبع سنوات (١٩٥٢ / ١٩٥٩) بسبب التغيّرات التي أحدثتها ثورة يوليو ١٩٥٢ والتي لم يتمكّن من هضمها إلا بالتدريج ليعيد تأمل المجتمع المصري من حوله، مما جعله يلغي كثيراً من مشاريعه الروائية التي كان يعدّ لها، وجد الشكل الجديد الذي صاغ من خلاله رواية «أولاد حارتنا».

وقد اهتمّ منذ البداية بالتخطيط لكل عمل قبل أن يبدأ به، يُخطط للشخصيات ولعلاقاتها بعضها ببعض، ويرسم مجرى الأحداث وتداخلها. وعندما يطمئن إلى ما هو مُقدم عليه، يشرع في الكتابة وفق ناموسه اليومي، وعندما يتوقف لا يهمّه من أين ولا كيف سيبدأ في اليوم التالي، لأن العمل كله منقوش على صفحة عبقريته بكامل حدوده وإطاره، قد يختلف مسار الشكل الذي اختاره للرواية عما كان في ذهنه! فيكون عليه، كما قال في حوار تلفزيوني، أن يتبع الإيحاءات المستجدة التي تسوقه إلى آخر المشوار..

قدّم نجب محفوظ في كثير من أعماله شكلاً ومضموناً جديدين عبّر خلالهما عن الهُوية المصرية، كان شديد الإحاطة بالظواهر الاجتماعيّة، وكان قادراً في الوقت نفسه على تحديد مُواصفات شخوصه وما يعتمل في داخلهم من أحاسيس دفينة.

ويقول يوسف الشاروني إنه لما انتهى في أعماله الأدبية الأولى من استكمال رحلته مع (الزمان) بدأت رحلته مع (المكان الحاضر) بتمييز اتّسم بالروح النقدي وبإتقان الصنعة الروائية، فأبدع (الثلاثية)، حيث زاوج بين الرواية التاريخية والاجتماعية مركزاً على الطبقة المُتوسّطة المصرية بكل ما يحيط بها من تفاصيل ومُعاناة. وبعدها لم يكرّر نفسه بل تقدّم غير هيّاب إلى المرحلة التالية وهي مرحلة الرواية الاجتماعية المعاصرة على إثر الأزمة التي مرّ بها بعد قيام ثورة يوليو مباشرة، والتي تجاوز خلالها الكثير من التفاصيل والتشخيص الكامل، مما أكّد قدرته على التطور في الأسلوب والمضمون معاً.

وكان لقدرته على اقتحام التابوهات الفنية دور متميز في تميز أعماله على مستوى الساحة، فهو يواجهها بطريقة مباشرة صريحة مرّة، ويلجأ إلى الرمز، حتى اشتهر بأنه قادر على توظيف أصدقائه والمقربين منه كغطاء مزدوج للتعرية أو التمويه على التابوهات التي يودّ أن ينفذ إليها، فيعمد إلى تناولهم منتقداً أو مادحاً دون أن تشعر الشخصية الحقيقية أنها المقصودة؛ لأنه كان يلجأ إلى البعد الفلسفي والتحليلي في فهم الواقع وتمثيله إبداعياً.

هذه التابوهات أو الإسقاطات جاءت دائماً بعيدة كل البعد عن الفجاجة أو العنف أو الإقحام غير المبرر لأنها وإن كانت محظورات، تُعدّ بكل المقاييس وفي المقام الأول ظواهر اجتماعية ماثلة أمام كل ذي عينين وقائمة بين يدي كل من له قدرة على الرصد، ومن ثم لا يمكن إنكار وجودها.

ومنها أيضاً أن رؤيته المرتبطة بواقعها، الساعية للانتقال بالإنسان من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، ومن الظلم إلى العدل، ومن الخرافة إلى العلم، تجعله يختار من التقنيات ما يناسب أهدافها الخاصة وتتجاوب مع أسئلتها المعينة.

لذلك يرى الدكتور جابر عصفور أن اختياره لشكل الرواية لم يدفعه لتغريب رؤيته عن واقعها ولم تجعله يلهث وراء موضات عابرة في الكتابة أو في اتخاذ تقاليع عالمية شغلت الكثيرين.

لكل ذلك جاءت روايته محافظة على ملامحها المرنة في إطار الواقعية النقدية ما ظلّ هذا الإطار قادراً على التجاوب مع المشكلات الاجتماعية النوعية لواقعها، وفيما بعد جاءت تحولات التقنيات والعناصر الشكلية استجابة لضرورة وحتمية اتساع مدى الرؤية وتنوع منظورها وتغيّر بؤر التركيز فيها.

وكل ذلك يدل على درجة عالية من المرونة والقدرة على التغيير استجابة لعوامل شتى منها ما هو إبداعي ومنها ما له صلة باتّساع دائرة القرّاء، ومنها ما له صلة بالتراكمات والإنجازات والخبرات المحيطة بالكاتب.

ولعل نقطة التوازن عند نجيب محفوظ، كما يقول النقّاد، تكمن في قدرته على أن يمسك منذ بداية العمل الروائي بخيوط الأضداد التي تجمع بين الشخوص والمواقف بحِرفية محكمة، وإذا كان العمل الذي بين يديه يتناول قضايا الوجود الكُبرى، ساعدته دراسته للفلسفة على ابتداع الإطار الميتافيزيقي الذي يربط الكون بخالقه من ناحية، وييسّر له التعمق في حياة المجتمع المصري وأن يضع له الإطار الذي يلقي الضوء على نظامه الحاكم من ناحية أخرى، فيخرج العمل متألقاً ضمن جدلية تسمح بتعايش تلك الأضداد التي اشتمل عليها من خير وشرّ، وفقر وغنى، ووجود وعدم.

كتاب جيّد عن نجيب محفوظ في عداد ما لا يحصى من الكتب التي تصدر في مصر سنويّاً، بل شهريّاً، عن الروائيّ الكبير الخالد، والتي كثيراً ما تنقصها الجودة ويسودها الانبهار الشديد بصاحب الثلاثية، وهو انبهار لم ينْجُ منه حسن عبد ربّه المصري مؤلّف هذا الكتاب. ولعل أكثر ما يأخذه عليه القارئ، بالإضافة إلى هذا الانبهار الذي لا يُسمح له بالدخول إلى عالم الأبحاث والدراسات، نزعة المباسطة والدردشة ورفع الكلفة كما لو أن المؤلف هو أحد «الحرافيش» أي الشلّة التي كان نجيب واسطة عِقدها.