بقلم - توجان القيصل:

كتبنا الأسبوع الماضي عن «عاصمة الأردن الجديدة» لم تكن تفاصيل المشروع قد ظهرت بأبعد من وجود فكرة لحلّ مشكلة ازدحام عمان وتركز كافة الأنشطة فيها، بخاصة الدوائر الحكومية. وأشرنا للتعليقات الساخرة التي استحضرت مشروع عاصمة جديدة لمصر وردّ السيسي بقوله «من حقّنا أن نحلم».. فإذا الناطق باسم حكومتنا يقول إن المدينة الجديدة (والتي أسميت «المدينة الذكية بدل «العاصمة الجديدة») «ليست حلماً حلمت به الحكومة وطرحته للعامة كما قيل، بل نتحدث عن فكرة قيد التنفيذ»، مبيناً أنه منذ 6-7 شهور تجري نقاشات حول الأمر وأن المخطط الشمولي للمشروع سينجز خلال شهر أو شهرين ،»وتعمل عليه شركة رائدة معروفة بخبراتها وقدراتها»!

ومع أنه لا يمكن البناء على ما يقوله الناطق الرسمي، كونه سبق أن قال عند إعلانه عن المشروع أن «خمسة أشخاص فقط يعرفون موقع المدينة»! وهو ما حتّم السخرية كون مشروع يفترض أنه قام على دراسات كلفة وجدوى يستحيل أن يقتصر من اطّلعوا عليه على خمسة أو حتى خمسين، ما اضطر رئيس الحكومة لأن يتدخل بزعم أن الناطق الرسمي كان «يمزح»! وبرأيي، أظنّ أن الحكومة بحاجة لناطق يستطيع فتح حوارات جادّة مع العمانيين، فلا يجوز أن يكونوا آخر من يعلم بمدينة تنوي الحكومة نقل مليون منهم على الأقلّ للسكن فيها، وإلا هي لن تكون «مدينة»، ولن تحلّ مشكلة مدينتين كما تبين الآن، إذ أضيفت الزرقاء لعمان لتبرير موقع المدينة، التي حظيت سراً بعطاء مخططها شركة لا ندري إن مثلها واحد من الخمسة «الثقات»، دوناً عن كفاءات الشعب التي سبق وساهمت على امتداد أكثر من نصف قرن بإعمار دول خليجية كانت ناشئة.

تبرير العمل السري على المشروع بعدم إتاحة الفرصة للمضاربين العقاريين (الذي حُسم ابتداء أنه سيقوم على أرض للخزينة توفيراً لكلفة الاستملاك) مردود. ففي كل الحالات لن يبيع أرضه الواعدة ولو بأية درجة إلا المضطر للبيع، ولن يشتري الأراضي بأمل أن ترتفع قيمتها إلا من يملك فائض مال يستطيع تجميده في أرض بانتظار انتعاشها. لا بل إن التباحث العلني في أي المناطق أجدى لإقامة المشروع سيُساعد البائع المضطر على الحصول على سعر أكثر عدلاً. وسينشط بيع الأراضي الذي تراجع ويحفز أنشطة اقتصادية أخرى، وبخاصة المشاريع الإنتاجية الصغيرة التي تتعثر لغياب التمويل وتدني نسبة الاقتراض برهْن الأرض. ولكون أغلب الأراضي التي ستنشط تجارتها ستكون «بعيدة عن العاصمة» (كما قيل عن موقع المشروع)، هي ليست حتى مما تقبل البنوك رهنه.

والأهم الذي تبين الآن أنه بالضبط قبل الأشهر السبعة التي كان يجري فيها التخطيط سراً للمدينة الجديدة (وتحديداً في شباط الماضي)، جرى توقيع اتفاقية تنفيذ مشروع جمرك عمان الجديد على مساحة 1350 دونماً في ذات منطقة الماضونة التي تملك الحكومة كل أراضيها وستُقيم فيها المدينة الجديدة. وهي منطقة شرق عمان تبعد عن عمّان والزرقاء ثلاثين كيلومتراً. وكانت الحكومة قد أعلنت حينها أن الموقعين المرشحين لإقامة «الميناء البري» الذي يخدم تخفيف ازدحام ميناء العقبة البحري بالحاويات، كانا الماضونة ومعان.. ما يفترض أولوية اختيار معان القريبة من العقبة وليس الماضونة المجاورة لعمان. ومعان متضرّرة من تحويل الطريق الصحراوي عنها، وعزلها لم ينتج فقط إفقارها، بل جعلها أيضاً من البؤر التي تنامى التطرّف الديني فيها. ثم إن ما قالته الحكومة عن أهمية قرب الموانئ البرية من المناطق الصناعية لتسهيل التصدير، ينطبق على معان والجنوب بعامة، حيث خامات التصنيع.. ولكن إقامة مدينة حديثة للسكن قرب منطقة صناعية، وفي منطقة مزدحمة ابتداء بالحاويات، والطرق المؤدية لها مليئة بالشاحنات الكبرى بكل ما تسبّبه من تلوث بيئي وصوتي، وأيضاً ما تمثله من حوادث سير مميتة، هو التناقض بعينه. ويؤكّد هذا ويزيد عليه كون الماضونة تقع أيضاً في نقطة نهاية ما بين طريقين غير مأهولتين، المؤدية للعراق في شمالها والمؤدية للسعودية جنوبها.

قد يفهم إقامة سكن وظيفي للعاملين في الجمارك والعاملين في مصانع تجاور الميناء البري. أما إقامة مدينة سكنية حديثة في هكذا موقع وتوقع جذب سكان له، بخاصة الأزواج الشباب بعيداً عن أهلهم وأقاربهم في عمان والزرقاء الذين إما يحتاجون لرعاية أو يحتاجهم الأبناء العاملون لرعاية أطفالهم، بإغراء فارق كلفة سكن يصرف أضعافه في كلفة تنقل لحيث بقية الأهل، فهو غير ممكن. فيما ما اقترحناه من إقامة المدينة الجديدة جنوباً على الطريق الصحراوي ، سيقي الاتصال الضروري بعمان، ويقرّب الأهل في المحافظات مع من اضطر أو رغب في السكن في العاصمة القديمة، أو «الذكية» الشابة.. وإقامة مدينة لا أقل، في نقطة نهاية لجهة الشرق بلا هُوية سكانية كالتي تشكلت تاريخياً في مدن المملكة وحتى في العاصمة عمان، يبرر حتماً ما أثير من شكوك حول المليون أو المليوني ساكن الذين سيأتون أو يحضرون للمدينة.

 

كاتبة أردنية