• تلقينا أكثر من ألف إخطار بمصادرة الأرض والمغادرة
  • الكهف أفضل من القصور رغم صعوبة العيش فيه والاحتلال لم يستطع إخراجنا منه

 

عمان- أسعد العزوني:
تلك قصة حقيقية مثيرة. أسرة فلسطينية تعيش في كهف، أو مغارة منذ عام 1948. طوال 68 عاما لم تفارق الأسرة هذا الكهف الذي نشأت فيه أجيال من الجد إلى الابن ثم الحفيد، وقد أُطلق سكان المنطقة على أفراد الأسرة أنهم أهل الكهف الجدد.

وسر التمسك بالحياة في الكهف الذي يقع في قرية وادي فوكين هو البقاء على الأرض التي تمتلكها الأسرة ولا تريد التفريط فيها حيث يسعى الاحتلال للسيطرة عليها.

تقول أم إسحاق عميدة الأسرة التي تبلغ الثمانين من عمرها في حوار مع الراية خلال زيارتها للأردن للمشاركة في إحدى الفعاليات إن الكهف مسكون منذ القدم وهو بيتنا، وزوجي أبو إسحاق مولود فيه.

وتضيف: اعتبر الكهف أفضل من القصور رغم صعوبة العيش فيه وسلطة الاحتلال لم تستطع بجبروتها، إخراجنا منه كما أفشلنا منه كافة محاولات الاحتلال لمصادرة أرضنا.

وتواصل قائلة: عشنا حياتنا في هذا الكهف يوما بيوم، وأنجبنا فيه الأبناء والبنات، الذين عملوا جميعا في زراعة الأرض، وعندما تعرض أهالي وادي فوكين للتهجير عام 1948 رفضنا المغادرة، وظللنا متمسكين بالكهف الذي عاش فيه زوجي وأجداده وتركوه أمانة في أعناقنا وبقينا صامدين فيه حتى الآن رغم اعتلال صحتنا.
وإلى نص الحوار:

لن نغادر الكهف
> لماذا لا تخرجون من الكهف وتسكنون بيتاً عادياً؟
- لن نترك الكهف إلا إلى القبور، ونحن لن نبيع أرضنا حتى لو وزنوها بالذهب، ولو كنا نقبل لقبضنا الملايين من الدولارات، فهم لا يكلون ولا يملون من محاولات إجبار الناس على بيع أراضيهم بأسعار غير متخيلة وخاصة تلك المحاذية للمستعمرات مثل أرضنا
وقد ورثنا حب الأرض لأبنائنا وأحفادنا فهم يصرون على الحفاظ على هذا الإرث التاريخي العظيم، حتى وإن فارقهم جدهم أبو إسحاق يوما، لقد ورثناه عن الأجداد وسنورثه للأحفاد.

أنا متأكدة أنه حتى لو رحل أبو إسحاق بعد عمر طويل فلن نترك الكهف وحيدا، فقد تربينا في هذا المكان، وأصبح جزءًا من ذاكرتنا وحياتنا اليومية، وليس من السهل علينا فقدانه على الإطلاق.

لي حفيدة اسمها ورود، من سكان وادي فوكين، تدرس الصحافة والإعلام في جامعة بيت لحم، تعتز وتفتخر بجدها الذي رفض أن يرحل عن أرضه كل تلك السنوات، ومع أن أبناءه كلهم سكنوا بيوتا جديدة، إلا أنه ظل في كهفه الذي ولد فيه.

لقد منحتنا هذه المغارة لقب أهل الكهف، وحماة الديار، في آن واحد، وسيظل وادي فوكين يشهد على أصالتنا وحبنا للأرض والكهف معا ، وستظل الأجيال المتعاقبة، تروي كل للآخر عن الجد مناصرة، الذي أعاد الوادي لأصحابه، بعد سنوات طويلة من الاحتلال.

وعلى الرغم من الضعف الذي يعتري أجسادنا أنا وزوجي بسبب الشيخوخة إلا أننا سنبقى ننام على التراب وفي العراء في سبيل الحفاظ على أرضنا، ولن نترك أرضنا وسنبقى بقربها نتخذ من الكهوف وبيوت الصفيح ملاذا لنا.
لقد اشترى جد الأولاد الثري قبل النكبة بسنوات نصف أراضي القرية بـ 100 ليرة ذهب فرنسي، ولكن ومع تبدل الحال، ذهب معظمها ولم يبقَ إلا عشرات الدونمات، ومنها تلك التي نتواجد فيها اليوم على بعد أمتار من المستعمرة.

وادي الشوك
> حدثينا عن وادي فوكين وما سبب تسميته بهذا الاسم؟
- وادي فوكين أو الشوك كما يقال عن سبب التسمية، حيث يحدها من الشرق قرية نحالين، وحوسان من الشمال، وخط الهدنة لعام 49 من الغرب، وقرية الجبعة إلى الجنوب، تبعد نصف كيلو متر عن مستعمرة بيتار عيليت وهي شبه محاطة بأراض معلنة من قبل إسرائيل كأراضي دولة وطريق التفافية وحاجز عسكري ومنطقة تدريب، إلى جانب قاعدة عسكرية إسرائيلية.

غنى وادي فوكين بالأراضي الزراعية التي تعكس إنتاجية جيدة من العنب والفواكه واللوز وزيت الزيتون، جعل أهلها ممن لجأوا إلى مخيم بالدهيشة عام 1958 أن يتوجهوا يوميا لأرضهم لزراعتها وإبقاء أعينهم عليها حتى عادوا إليها رويدا رويداً عام 1972، لكن معنى النصر بالعودة ما لبث بعد عقد من الزمان أن جوبه باستيطان شرس بدأ عام 1982 .

 

الزائر للقرية يجدها أشبه بالجزيرة، تحيط بها 3 مستوطنات هي: تسور هداسا، بيتار عيليت وبيتار هدار. في عام 1948، تم مصادرة 6000 دونم ، في عام 2014 تم مصادرة 60 دونما لتوسيع مستعمرة بيتار عيليت، وتم تسوية 1350 دونما من أراضي وادي فوكين في الثلاث سنوات الماضية لبناء منطقة صناعية لمستعمرة تسور هداسا مع إجمالي 1410 دونمات وعملية المصادرة لا تزال مستمرة، حيث إن هناك مخططاً جديداً لبناء منطقة صناعية بين مستوطنتي "بيتارعيليت" شرقا و "تسور هداسا" غربا ومخطط لاستكمال البناء في مستوطنة "بيتار عيليت- ج" وهي الأراضي المصنفة تحت السيادة الإسرائيلية حسب أوسلو.

استشهاد 11 مزارع
> حدثينا عن واقع الحياة في قرية وادي فوكين؟
- وادي فوكين من القرى الفلسطينية المهجرة منذ العام 1948 هاجر الكثير من أهلها وكان عددهم آنذاك نحو 200 شخص إلى القرى المجاورة وبعضهم رحل إلى غزة.

تم هدم القرية عدة مرات من قبل قوات الاحتلال، واختفت حدودها بسبب المستعمرات المحيطة بها، وتبلغ مساحتها الأصلية 12 ألف دونم، ولم يتبق منها بعد العام 1949 سوى 3500 دونم، ويبلغ عدد سكانها اليوم 1300 نسمة. وبعد العام 1967 صادر الاحتلال الجزء الكبر من أراضيها وتبقى لنا من الأرض حاليا 1500 دونم.
واستشهد منا أحد عشر مزارعا دفاعا عن أراضيهم، وتمكنا بسبب الضغط الدولي على إسرائيل وإصرارنا على العودة ومشروع الترانسفير من غزة إلى مخيمات الضفة، من العودة عام 1972، وتمسكنا بأرضنا ونعيش في الكهوف منذ العام 1948 حفاظا على أرضنا .

> كيف تقضين وقتك؟
- نعيش مع الغنم التي يرعاها زوجي وأقوم بتنظيف الكهف وترتيب الفراش، وأطبخ ومن ثم أتفرغ للأرض ، وكنت "القابلة" في وادي فوكين أقوم بتوليد النساء لصعوبة ذهابهن إلى المستشفى بسبب الحواجز الإسرائيلية، ونتصدى للاحتلال من جنود ومستعمرين.

وقد تلقينا أكثر من ألف إخطار بمصادرة الأرض والمغادرة لكننا ما نزال صامدين فيها.
نفتخر أننا ننام في الكهف وأطبخ وأغلي الشاي على النار وعندنا عين ماء نشرب منها، وقد تبرع أخي لي في الصيف الماضي بجهاز غاز لأطبخ عليه لكن الضيوف يطلبون الشاي على النار ودائما ما يزورني ناشطون وصحافيون من أمريكا والغرب ويجلسون في المغارة شتاء أو تحت العريشة صيفا وأطبخ لهم.