بقلم / جورج علم - كاتب لبناني : 

ينظر الأوروبيّون بارتياح إلى بوارجهم وهي تتهادى ما بين بحر صور، وخليج جونيّة، مرورًا بـ «السان جورج». هواء بيروت منعش هذه الأيام، ومياهها دافئة للاستحمام والاستجمام، والتفكير بهدوء عند رسم خرائط المصالح بعيدًا عن الصخب المتأتي من الجوار السوري، أو العمق الخليجي- اليمني.

ينتشر الأوروبيّون في البحر اللبناني تحت علم الأمم المتحدة، وعمر انتشارهم من عمر القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في أغسطس 2006. لم يعد البحر يغويهم، عينهم على البر، في وقت يقترب فيه لبنان من الفالق الجيو- سياسي الجديد الذي تبرز معالمه في العديد من كيانات سايكس- بيكو. يتصرّف الفرنسيّون وكأنهم من أهل البيت، كذلك الإسبان، والإيطاليّون، العنصر الطارئ يتمثّل بالألمان، هناك حنين غير مسبوق من «بلاد الرايخ» إلى «وطن الأرز». ويعود السبب إلى الروس الذين يسعون إلى توسيع إمارتهم من طرطوس، وحميميم لتشمل مطار القلعيات العسكري اللبناني القريب من الحدود السوريّة.

بدأت المحاولة عندما قررت موسكو فجأة منح لبنان 10 طائرات ميغ - 29 كهديّة تحت شعار دعم الجيش اللبناني. يومها ضجّت العواصم من هذا الكرم الروسي الحاتمي، ليتبيّن فيما بعد بأن عين الروس على مطار القليعات العسكري الاستراتيجي. بالطبع لم تصل الهديّة لأن الظروف المحليّة، والإقليميّة، والدوليّة كانت معاكسة، إلاّ أن الفكرة لم تمت، بل أصبحت أكثر إلحاحًا بعد وصول بوارج بوتين إلى المياه السوريّة الدافئة، وتكرر العرض معدّلا على رئيس الحكومة سعد الحريري، تحت شعار دعم الجيش اللبناني بالأسلحة الروسيّة الحديثة بعد الانتصار الذي حققه على الإرهاب في معارك «فجر الجرود».

أثار العرض الروسي المتكرر حفيظة الأوروبييّن، عينهم على لبنان، وطموحهم العودة إليه كمنطلق للمشاركة في ورشة إعمار سوريا، خصوصًا بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتوتر العلاقات بين ضفتي الأطلسي، وانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيّة المناخ في باريس، ومن منظمة الثقافة والعلوم الإنسانيّة (الأونيسكو)، وتهديد الرئيس دونالد ترامب بحل حلف شمال الأطلسي إذا لم ترفع كلّ من ألمانيا وفرنسا مساهمتهما المالية، وقراره بزيادة الضريبة على الصلب والألمنيوم، وما يشكّل ذلك من تهديد للصناعات الأوروبيّة.

أمام هذا الواقع المتفاقم، يبحث الأوروبيّون عن منفذ، عينهم على الضفة الأخرى من المتوسط، ولا بدّ من عودة قويّة إلى الشرق الأوسط، إنه جنّة استثماريّة في المستقبل عندما تتوقف آلة الدمار لتبدأ ورشة الإعمار. ويبقى لبنان الواحة، والحديقة الخلفيّة لسوريا، والشاطئ الوحيد الذي يحضن بوارجهم «المؤممة». طموحهم الاستثمار في الإعمار، ولكن لم يبق لهم من موقع قدم في سوريا حيث الأمريكي، والروسي، والتركي، والإيراني، والمقنّع، وغير المقنّع. وينظرون إلى العراق، فلا يجدون سبيلاً لبلوغه، فالأمريكي هناك منذ سنوات طويلة، وإيران في القلب، وعلى الأطراف بيارق وبنادق متعددة الهويات والجنسيات. ولم يبق أمامهم سوى بحر بيروت، وشبّاك التذاكر المفتوح تمهيدًا للدخول من بوابة النزوح السوري، شرط أن يكون لمؤازرة ومساعدة الحكومة اللبنانية على إعادتهم إلى ديارهم من دون انتظار الحل السياسي؟!».

لكن العودة الأوروبيّة تستدعي إعادة بناء جدار الثقة بعد البيان الشهير الذي صدر عن الاتحاد الأوروبي ويدعو فيه إلى دمج مجتمع النزوح بالمجتمع المقيم. حصل ذلك بعد انتهاء أعمال المؤتمر الدولي لدعم لبنان، والذي استضافته باريس تحت شعار «سيدر - 1»، يومها كانت ردّة الفعل اللبنانية عنيفة، وكتب وزير الخارجيّة اللبناني إلى الأوروبييّن معاتبًا، منتقدًا، ومطالبًا بالتوضيح والتصحيح. إلاّ أن مؤتمر الدعم، وملياراته، شكلا تأشيرة دخول للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي زارت بيروت ليومين على أن يلحق بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعيد تشكيل الحكومة في لبنان.

الألمان، بعد الفرنسييّن، يريدون أن يستثمروا بأموال ال «سيدر - 1». يريدون موطئ قدم، ومرقد عنزة في هذا الشرق الذي يشهد تحولات كبرى مصيريّة، يسعون إلى أن يكونوا على مقربة من الأوضاع في سوريا، والعراق، وصولا إلى اليمن، هدفهم خطّ مفتوح بين ضفتي المتوسط لضبط قوارب النزوح قبل أن تبلغ شواطئهم، يطمحون لأن تبقى بوارجهم تتهادى من بحر صور، إلى بحر الشمال اللبناني وقد رفعت على سارياتها الأعلام الوطنية، بديلاً عن علم الأمم المتحدة. حنينهم إلى لبنان يوازي الحنين إلى جعله ولاية أوروبيّة على بوابة الشرق الأوسط.