بقلم - المصطفى محمود :

بين الكثير من التنبؤات والاجتهادات بما تحتويه تلك الصفقة المُرعبة، يتسلل عاملها الأهم وهو الوقت، فالوقت هو الذي يُغيّر الآراء - بجانب الإعلام - وهو الذي يجعل وقع حقائق الصفقة سهلاً مستساغاً لآذان الشعوب، بل ويجعلها تنتظر إتمام الصفقة لتتكشف جوانبها الغامضة للكل. تُناقش الصفقة في المقالات والبرامج التلفزيونية من نواح عدة، السياسة والاقتصاد والجغرافيا، لكن لا يُناقَش جانبها الأخطر، وهو محو هوية الدولة الفلسطينية وتاريخها وحصرها في قطاع غزة فقط، فالمشاركون في الصفقة والداعون لها لا يريدون للمستقبل أن يُذكر فلسطين كدولة كاملة، وإنما كقطاع صغير بين إسرائيل ومصر، وكمساحة في سيناء بعيدة عن الأرض الأم، إلى أن تصبح الدولة الفلسطينية خيالاً أو أسطورة سابقة لا دليل على وجودها، وهذه هي استراتيجية الإسرائيليين عموماً، فهم يراهنون دائماً على المستقبل، يملؤون حاضرهم بالأكاذيب حتى تصبح مع عامل الزمن حقائق مستقبلية، يقتاتون على تراث الشعوب وينسبونه لأنفسهم، لإنهم ليسوا فقط شعباً بلا أرض، بل هم شعب مشتتٌ بلا تراث أيضاً، وتراث العرب كثير وغزير، فلا بأس من سرقة بعضه ونسبه إليهم.

كهيكلهم المزعوم، الذي لا يوجد دليل حي على وجوده، أمام وجود دلائل من الديانتين الأخريين، فالمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وكنيسة القيامة تزين القدس، وتؤكد على حقيقة تاريخ أصحابها في تلك المنطقة وتسهيلاً، لابد من صرف الأنظار عن الإجراءات التمهيدية لتلك الفعلة الشنعاء، ولابد من عرقلة الرافضين وعزلهم.

الداعون والمشاركون يعلمون الدور القوي الذي تلعبه قطر في المنطقة، ويعلمون جيداً أن الصفقة لن تتم في الوجود الكامل لدولة قطر التي كانت وما زالت تدعم فلسطين بكل ما أوتيت، وتدعم حق الفلسطينيين في أرضهم، ولا أفسّر الحصار الغادر على قطر إلا أنه إلهاء لها عن السياسات الجديدة التي يُراد لها أن تُفرَض في الشرق الأوسط، ومحاولة بائسة لتحجيم دور قطر في المنطقة العربية، وفي سبيل ذلك ضحّى المُحاصِرون بالروابط بين البلدان والشعوب، وهذا ليس مفاجئاً، فالذي يَقبل أن يُبعد الفلسطينيين عن وطنهم، سيقبل بكل تأكيد أن يفرّق بين الأهل حتى يفعل ما يريد، ولا نعلم حقاً، هل هو الخبث والحقد، أم التهور وضيق الأفق، أم أنه بكل بساطة كل ما سبق.

التقرب وتقوية العلاقات بالدول الكبرى لا يأتي بالتضحية بالآخرين، وإنما يأتي بالتنمية والذكاء السياسي والاقتصادي حتى يصبح فرضاً على المجتمع الدولي أن يعترف بحجمك وثقلك، وشرعيتك، ولكم في دول شرق آسيا مثالٌ حي، لكن تعمى القلوب والعقول، والبحث عن المجد الشخصي والزعامة السريعة يجعلك دائماً ما تقبل التنازل عن حقوقك، لكن هنا، أراد المشاركون أن يتنازلوا عن حقوق إخوتهم الفلسطينيين أيضاً، حتى يذكرهم التاريخ فيما بعد بدعاة السلام ورعاته، وحتى تقبلهم جماعة إسرائيل. يا سادة، بئس المال، وبئس المعيشة، وبئس الحياة، إن كانت بلا وطن، وبئس القوة، إن لم تكن لمُناصرة المظلومين وأصحاب الحقوق.