بقلم - محمد التميمي:  أسمع من الإعلام فأظن بالأخبار ما حدث.. لكنني لم أصل لليقين إلى أن رأيت بعيني، فمن رأى ليس كمن سمع.

في القاهرة عام 2013م أثناء دراستي الجامعية هناك.. وبُعٓيد الانقلاب العسكري في مصر وفض اعتصامي رابعة والنهضة، كانت المظاهرات المعارضة للانقلاب تجوب في بعض شوارع القاهرة، كنت أسكن في حي محي الدين أبو العز وكان الشارع المؤدي لشارع التحرير تقف فيه المظاهرات التي ترفع شعار رابعة والمندّدة بفض الاعتصامات والحكم العسكري، سمعت صوت المظاهرة التي كانت قريبة جداً مني فأردت أن أرى شيئاً مما يحدث، خرجت من شقتي ونزلت لأجد حارس العمارة قد أغلق بابها، فتحت الباب بمفتاحي الخاص، فانتبه من كان يسكن في الطابق الأرضي لذلك، ونصحني بعدم الخروج، فتعللت بأنني أريد شراء شيء ضروري، خرجت ولاحظتُ أن كل العمارات التي في هذا الحي موصدة أبوابها ولا يخرج منها أحد.. توجّهت صوب المظاهرة، فبدا لي من بعيد أنها تتعرّض للهجوم. توقفتُ في مكاني..!

فجأة رأيت الحشود تتفرّق يميناً وشمالاً واتجه بعض منها ناحية المكان الذي كنت أقف فيه وسرعان ما رأيت المهاجمين يُطاردون المتظاهرين حاملين سكاكينهم وعصيّهم الصغيرة فاتضح لي من تلك الوجوه المهاجمة أنهم كانوا عصابات صغيرة يُطلق عليهم «البلطجية».

وبعدهم بلحظات جاءت المدرّعات الأمنية فاختفى كل متظاهر، وأنا بدوري اختفيت.. قلت لنفسي: دعني أُكمل متابعة الأحداث من خلال القنوات التلفزيونية، ولأبدأ بقناة محلية ففوجئت وانبهرت بعنوان الحدث: «مظاهرات إخوانية في محي الدين أبو العز والأهالي الشّرفاء يتصدّون لها ويفرّقونها».

ظننت أن هناك خطأ من المراسل فالخطأ وارد، قلّبت في كل القنوات المصرية المحسوبة على النظام المصري فوجدتها جميعاً تعلن نفس الخبر!.

تساءلتُ: لم أر أحداً من الأهالي يخرج أو يدخل كما أن أبواب العمارات وشرفات الشقق مغلقة تماماً ليس كما العادة، أم هل البلطجية كانوا هم الشرفاء وأصبحوا من الأهالي في هذا الحي؟!، ثم أين دور الأمن المصري في اختفائها؟!، وهنا تيقنت بما يدور في الإعلام المصري وقتها.

لكن ثمّةٓ سؤال آخر دار في عقلي: هل يُعقل أن يوجد في منطقتنا الخليجية مثل هذا الإعلام..؟ استبعدت الفكرة تماماً من رأسي وقتها.. لكن الظنون حلّت مكانها.. فظننت أن الإعلام المصري نوعٌ خاص بنفسه في ذلك، لا يتكرّر عند أحد آخر في دولنا العربية والخليجية حتى عدتُ إلى قطر، وانفجرت الأزمة الخليجية، وبدأ كل شيء، أخبار مفبركة حول دعم الإرهاب، ثم كذبة حول نفاد الأطعمة وخلو المتاجر منها وصولاً لنظرية «المعدة القطرية» إلى أن بثّت قناة خليجية رسمية خبراً فاق كل الأكاذيب «القوات التركية تفرض حظر التجوال في قطر»

انتشر الخبر الصادم بكذبه بسرعة شديدة على كل مواقع التواصل الاجتماعي.. وهنا لم أخرج لأُشاهد بعيني ما يجري لأنني فعلت ذلك مسبقاً فقد عاصرت حظرين للتجوال وأعرف جيداً كيف هو، إضافة إلى ذلك كنت حينها في الخارج ولم أر أيّة حواجز تركية إِلَّا في الصّور المركّبة التي عمدَ النُشطاء القطريون وضع دبابات صورية تحمل العلم التركي في شوارع الدوحة وفِي المنازل، سُخرية واستهزاء بكذبهم، أو حتى لم أُصادف حاجزاً واحداً لشرطة المرور!.

تحوّلت ظنوني في القاهرة ليقين في الدوحة وقت إدراكي بأن الإعلام الكاذب لا يخص بلداً بعينها أو شعباً بعينه، فكل من يريد أن يٓكْذب.. بإمكانه ذلك بوقاحة جريئة دون أيّ تفكير بأنه يستخف بعقول الناس..

وأن الإعلام الآن لم يعد مقتصراً على القنوات الرسمية فقط، بل لكل شخص قناتُه الرقمية الخاصة به.. يكشف فيها كذب الحاقدين، وغباء المغفّلين.

Altamimi_505@hotmail.com