بقلم : سامي كمال الدين (إعلامي مصري) ..
بينما د. مرسي على كرسي السلطة في مصر كنت على الضفة الأخرى من سلطته، أصوب سهامي ورماح قلمي تجاه حكمه ونظامه وجماعة الإخوان، وليس خافيًا على أحد أني كتبت في 7 ديسمبر 2012 غباء الإخوان السياسي سوف يؤدي إلى انقلاب عسكري في مصر، وسوف يحكم الجيش الفترة الانتقالية، ولسوف نرى...

ليس في الأمر نبوءة، كما وصفني الإعلام المصري عقب ثورة 25 يناير 2011 بسبب روايتي «هيلتون» التي كتبتها 2009، وصدرت طبعتها الأولى يناير 2010 وفيها العديد من أحداث ثورة يناير2011، بل حددت الرواية مكان الثورة في ميدان التحرير وعبد المنعم رياض، وفيها أيضاً تفاصيل إدارة الإعلام والساسة وعلب الليل.

تحقق أغلب ما في الرواية ما عدا موت الرئيس مبارك!
بالتأكيد ليس نبوءة، لكنه حلم بثورة حلمت به على الورق، وشرفت بالمشاركة فيه على أرض الميدان. إذن لا مزايدة عليّ حين أقول إن ما يحدث الآن سواء من خلال طرح عز الدين فشير أو مبادرة حسن نافعة وصحبه، ما هو إلا سعي لـ «تفكيك» وليس «حل» جماعة الإخوان المسلمين، وشتان بين المعنيين.

ما تابعته في الذكرى الخامسة لانقلاب الثالث من يوليو من أحاديث تلفزيونية ومقالات صحفية، ونميمة فضائية، وتعليقات على السوشيال ميديا يشبه رجل أوقفه لص في قرية ما، سرق ملابسه، أمام العالمين، فإذا بهذا الرجل يصرخ بأن جريمة السرقة تمت في قرية العمدة فلان، ومن ثم فهو المسؤول مسؤولية كاملة عن سرقته.

بالتأكيد العمدة يتحمل مسؤولية تمهيد الطريق للص، ومنحه وجوده في قريته، لكنك أيضاً لم تدافع عما تملك فأخذه منك من لا يستحق، وبمحض إرادتك. فإذا بك تريد تفكيك ما تبقى والخلاص منه ليتحقق للص ما يريد كاملاً.

بلا شك الإخوان شريك أساسي في صناعة ثورة يناير ولولاهم ما نجحت الثورة، ولا توفر لها التنظيم وترتيب الميدان بهذا الشكل، وكل من كان هناك، كاره أو محب للإخوان يقدر ذلك، وبلا شك أيضًا أن سياسات عام الرئيس مرسي من الأسباب التي مكنت للسيسي وانقلابه، ومنحته الفرصة في أن يضع مخطط انقلابه كاملًا غربيًا وخليجيًا وإعلاميًا، كما أن القوى المدنية وجبهة الإنقاذ، ومعارضي مرسي منحوا السيسي وانقلابه الطريق الممهد، وطوق النجاة، ومصداقية الوهم الديمقراطي بالانتقال المدني للسلطة، الذي أوهموا الغرب والشرق به، وسحبوا الشعب للميادين، لتكتمل المسرحية الهزلية، التي أنهت خطوات ثورة يناير، وجعلتنا نفيق من الثورة الحلم إلى الواقع المرير، لدرجة أن رفاق الثورة الذين شاركوا السيسي انقلابه على مرسي، وجدوا نفسهم في سجن واحد مع محمد مرسي والإخوان.. إنها خطة «اليسكو» الكاملة للانقلاب على الثوار الذين قاموا بالثورة في رومانيا على تشاوشيسكو!

دفع ثوار يناير ثمن دعمهم للسيسي وانقلابه، ودفع الرئيس مرسي ثمن اختياره للسيسي ودعمه له أيضًا، وحرقت جثث الإخوان أحياء في مذبحة رابعة، وما سبقها وما تلاها، وحتى الآن يدفع الإخوان ضريبة فشلنا جميعًا وتشرذمنا وتفرقنا.

حملهم نظام السيسي فشل الحكم العسكري منذ 1952 وحتى الآن، ولو أن الإمام حسن البنا عاش في عهد محمد علي باشا، لحملهم السيسي أخطاء المرحلة، ولم لا؟ أليس الإعلامي الجهبذ محمد الغيطي القائل «الإخوان أحد أسباب سقوط الأندلس»، وكأن حسن البنا كان مرافقًا لآخر حكام الأندلس أبي عبد الله الصغير!

ربما ما يحدث الآن في الذكرى الخامسة للانقلاب من نحر للإخوان بسبب نجاح السيسي في استمرار قبضته على الحكم، وجميعنا إخوان وليبراليون وثوار وقوى مدنية ودينية شراذم متفرقة، وعدم قدرتنا على صناعة تغيير حقيقي يليق بمصر، وبثورة يناير، وبالخسران الكبير لنا جميعًا، وانهيار ثورتنا، وهو يذكرني بنهايات الامبراطورية العثمانية... يصف الحالة أورهان باموق- الروائي التركي الشهير الحاصل على جائزة نوبل 2006 في كتابة «اسطنبول الذكريات والمدينة» طبعة دار الشروق ص 36 كان حزن هذه الثقافة الميتة والإمبراطورية الغارقة موجودًا في كل مكان. بدا لي أن جهود التغريب هي انهماك بالتخلص من أشياء محملة بذكريات مؤلمة، وباعثة على الهم باقية من إمبراطورية منهارة، أكثر منها رغبة بالحداثة.

وأشبه حالة التغريب بحالة الهجوم على الإخوان، عملًا بالمثل الشعبي «اضرب المربوط يخاف السايب»، بينما السايب أو السيسي محمر عينه، ويقذفهم كثور هائج طوال الوقت!

أما التبرير الكوميدي لهذا الهجوم بأن المخابرات والجيش وأمريكا يسعون للتخلص من السيسي، واستبداله بجنرال جديد، طيب، حنون، بهم رؤوف، لكن الإخوان هم حجر العثرة!

الإخوان الذين في القبور والسجون والمنافي حجر العثرة! لماذا لا تأتينا زغرودة مجلجلة لترد على هذه المأساة/الملهاة؟!

اطمئنوا، لا الإخوان لديهم المقدرة ولا الأدوات التي يستطيعون العودة بها للحكم، هم منشغلون بضرب بعضهم البعض والتآمر على أنفسهم لدى الدول التي تقف بجوارهم!

نهايته.. على الإخوان أن يصارحوا أنفسهم بأن تجربتهم في الحكم لم تنجح، سواء فشلوا أو أفشلوا، وعلى صناع الانقلاب أن يصارحوا الجميع بجريمتهم، حتى يستطيع الجميع أن يصلوا للأرضية الحقيقية والثابتة التي تصنع التغيير.

نحن وصلنا للسقف في كل شيء، خاصة إخوان وساسة وإعلام المنفى، وقلنا في السيسي ونظامه ما قلنا، وكشفناه أمام العالم، ووصلنا لكشف عمالته للصهاينة، ولم يتبق شيء سوى التكرار اليومي والشهري والسنوي، لإعلام يكرر نفسه حتى الملل، وأفكار سياسية بلا إبداع، وقيادات جفت في عروقها روح الثورة، التي أسقطت طاغية في ثمانية عشر يومًا. بقاء الحال على ما هو عليه دون تغيير وإبداع في الخطاب الإعلامي والديني والسياسي المعارض أو المناهض للسيسي سيصرف الناس عنا، فالمواطن العربي بطبعه ملول، وفي يده ريموت للحياة وللشاشة، وأمامه آلة إعلامية جبارة يقودها عباس كامل بكل حيل السحرة. وعصا موسى معنا، لكننا نتعارك حول من يمسك مقدمتها، لنتخلص من ثعابين السيسي، ولن يسقط ما دمنا كذلك.
  
samykamaleldeen@