•  الكتابة عند المعري صراع بين ما لا تجوز كتابته وما لا ينبغي قوله
  • الكتابة الماكرة تعتبر أن القول يخفي أكثر مما يُظهر
  • العرب كانوا يتصورون أن الترجمة هي الشرح والتعليق والحاشية
  • كيليطو يُظهر المعري في صراعه بين الانكشاف والإخفاء
  • العرب لم يكونوا يخاطبون إلا قراء يتقنون العربية
  • كيليطو: الأدب العربي الكلاسيكي يحيلني إلى الهجرة وفضائها

 

بقلم - جهاد فاضل:

«الأدب والميتافيزيقا» كتاب مختلف عن كل الكتب لأن مؤلفه عبدالسلام بنعبد العالي، وهو أكاديمي وباحث مغربي، يبدي رأياً في أعمال زميله عبدالفتاح كيليطو وهو مثله أكاديمي وباحث مغربي، صحيح أن الأول أستاذ فلسفة، وأن الثاني أستاذ أدب ونقد، ولكنهما من أبناء مهنة واحدة هي التعليم الجامعي، ولعلّهما يدّرسان في جامعة واحدة هي جامعة محمد الخامس بالدار البيضاء. وإذا كان التنابذ والتحاسد هو ما يسود عادة العلاقة بين أبناء المهنة الواحدة، فإن العكس هو الذي يسود العلاقة بين الباحثين المغربيين، إذ السائد، كما يتجلى في الكتاب، هو «الألفة والأّلاف» وهو من أجمل ما تقع عليه العين في باب العلاقات العامة بين الناس.

يأخذ عبدالسلام بنعبد العالي كتب عبدالفتاح كيليطو واحدا واحدا ليبدي رأيه فيها حينا، أو في فكرة أو أفكار فيها، فيقلبها على شقى وجوهها ويتفحصها تفحص صاحب الجواهر الخبير بصناعته، ويأتي بنتائج مبهرة.

هو لا يترك زميله كيليطو في عالم الأدب وحسب، بل يعقد صلة بينه وبين عالم الفلسفة أيضاً، فاستراتيجية الفلسفة تتشابك باستراتيجية الأدب لتصبحا كتابة تستهدف مراوغة اللغة وتقويض الميتافيزيقا وتفكيك أزواجها.

وهذا التفكيك هو ما يرمي إليه عبدالفتاح كيليطو راصداً المنطق الذي يحكم نصوصاً طالما ألفنا حفظها دون أن نعمل على إذكاء حدة التوتر بيننا وبينها.

عالم الأدب العربي

نقدم فيما يلي نماذج من معالجة بنعبد العالي لكيليطو في إبحاراته المختلفة في عالم الأدب العربي قديمه وحديثه، وكذلك من آراء كيليطو نفسه والجديد الذي أتى به. فعبد الفتاح كيليطو في كتابه عن أبي العلاء المعري يميز بين صنفين من القراء: قراء لا يرون في الكتاب إلا عرضاً موافقاً ومطابقاً للآراء الشائعة، وقراء لا يلمحون فيه شيئا مختلفا لأن لهم طريقة في القراءة لا يمتلكها الآخرون.

فهم مثلاً يتنبهون لتناقضات المؤلف ويتجنبون عزوها إلى نقص أو خلل في نمط استدلاله، خصوصاً عندما يشير المؤلف نفسه إلى احتمال وجودها.

يحاول كيليطو أن يضع نفسه وهو يقرأ المعري ضمن الصنف الثاني من القراء، بنظر بنعبد العالي، فهو لا يسعى إلى الكشف عن حقيقة المعري فيما وراء التأويلات المتضاربة والآراء المتناقضة، ولا يهدف إلى إصدار القول الفصل في مسألة تدّين المعري أو سوء عقيدته، بل يحاول أن يُظهر لنا الشاعر في تناقضاته وصراعه بين الإفصاح والإضرار والانكشاف والاخفاء.

لا ينهج كيليطو هذا النهج فحسب استجابة لقول صاحب اللزوميات:

ويعتري النفس إنكارٌ ومعرفةٌ

وكل معنى له سلبٌ وإيجابٌ

وإنما تقيدا بمفهوم المعري عن الكتابة، ذلك أن الكتابة عند المعري لا تهدف إلى القول بقدر ما ترمي إلى صد القول، إنها صراع عنيف بين ما لا تجوز كتابته، وما لا ينبغي قوله: فالإفصاح عند المعري لا يعني بالضرورة الوضوح والشفافية:

نقول على المجاز وقد علمنا

بأن الأمر ليس كما نقولُ

لهذا يؤكد أبو العلاء أكثر من مرة أن لديه سرّا لا يود أو لا يستطيع إفشاءه:

ولديّ سرٌّ يمكن زكرُهُ

يخفى على البصراء وهو نهارُ

وأيضاً:

بين زمني هل تعلمون سرائراً

عُلمتّ ولكني بها غيُر بائحِ

الصمت.. والنطق

كون السّر يخفى وهو نهار، وكونه معلوماً من غير البوح به، ذلك ما يدفع المعري إلى الكتابة، بودّة أن يخلد إلى الصمت: «لو قبل لساني النصح ما نبس» غير أن اللسان لا يمكن أن يجبر على السكوت، إنه يأبى إلا أن ينطق فيفلت من سيطرته ويفشي سرّه. وحتى إن هو لاذ بالصمت، فإنه لا يرضى بهذه الحالة فيشعر بالحاجة إلى الإعلان عنها أو الإيحاء بها.

هذا الصراع بين الإفصاح والإضمار، بين الكلام والصمت، ليس مجرد رغبة عابرة ولا هو مجرد وسيلة تشويق، وإنما هو عائد لبنية السرّ ذاتها.

ذلك أن السرّ لا يكون سرّا إلا عُرف، لكنه لا ينبغي أن يُعرف إلا كسرّ، أي أن يُعرف كشيء لا يُعرف. معرفة السر تعني الحفاظ عليه، لكن الحفاظ عليه لا يعني السكوت، عنه لا يعني الصمت، وإنما محاولة الإفصاح عنه، وهذا لا يعني إفشاءه، وإنما محاولة إظهاره كسرّ وكشفه كاختفاء:

ومن تأمل أقوالي رأى جُملاً

يظلّ فيهن سّر الناس مشروحاً

الكتابة الماكرة

نحن إذن أمام شاعر يجد نفسه مضطراً لأن يفصح كي يخفي، ويخفي كي يظهر. إنه متورط في الكتابة على رغمه، لكن ليس في أي صنف من الكتابة، بل في الكتابة الماكرة التي تغلق القول وتبعد معناه عن المباشرة:

وليس على الحقائق كلُّ قولي

ولكن فيه أصناف المجاز

بل وتعتبر الكتابة الماكرة أن القول يخفي أكثر مما يظهر. هذا الالتباس كان النقاد الأقدمون قد تنبهوا إليه، فقد كتب أحدهم أن المعري «لم يقتصر على ذكر مذاهب المتشرعين، حتى خلطها بمذاهب المتفلسفين. فتارة يخرج ذلك مخرج من يرد عليه، وتارة يخرجه مخرج من يميل إليهم، ربما صرّح بالشيء تصريحاً، وربما لوّح به تلويحاً».

وإذا كان أشخاص «ألف ليلة وليلة» ينقذون حياتهم برواية حكاية من الحكايات وكان أشخاص «الغفران» ينالون المغفرة بفضل بيت من الشعر أو أبيات قلائل أنشأوها تعظيماً للدين أو حثاً على عمل الخير، فإن المعري لم يستطع أن يحفظ نفسه إلا بالمحافظة على سرّه، ولم يستطع أن يحافظ على سره، إلا بممارسة نوع معين من الكتابة كان هدفها الأساس إقامة سدّ منيع ضد ما لا تجوز كتابته.

التراث والآخر

على هذا النحو يمضي بنعبد العالي في معالجة كتابات كيليطو، وتحت عنوان «التراث والآخر» يتحدث عن الكتابة «كميدان تجسيمات متواصلة وتناسخات لا تنقطع». إن أهمية باب السرقات والانتحالات هو أنه يجعلنا نضع أيدينا على ذلك التنظيم الذي خضعت له حيوات التأليف، على عمليات الاستنساخ المتواصلة التي تعرفها الكتابة «كل كاتب ناسخ، والنسخ كما يقول لسان العرب هو «إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، تبديل الشيء من الشيء وهو غيره، لكنه أيضاً نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو».

النسخ هو الإلغاء والإبطال، ثم هو النقل والاستمرار، إنه نقل المعاني وتحويلها، لكنه ليس نقلا لمعنى أصلي، إذ أن المعنى لا يوجد إلا في عودته وتكراره.

ومن الملاحظات النافذة لكيليطو ما يذكره في كتابه «لن تتكلم لغتي» فهو يدعونا إلى أن نميز بين زمانين ثقافيين، أو بين ذاكرتين أدبيتين: «فإذا كان الأدب العربي الكلاسيكي يحيلني تلقائياً إلى الهجرة وفضائها، فإن الأدب الحديث يحيلني عفوياً إلى أوروبا كتقويم وإطار».

هذه الذاكرة المزدوجة تعكس كيفيتين للوعي، وطريقتين متباينتين تدرك بهما الثقافة العربية ذاتها. هناك «فترة» لم يعن للعرب فيها لحظة أن ينظروا إليه من الخارج عبر أدب آخر.

ثم هناك «فترة أخرى» تغير فيها شيء ما في العالم، وأصبح بحاجة إلى لغة أخرى غير لغتهم، وإلى مرآة الآخر.. كي يروا أنفسهم..

العرب والترجمة

قد يقال إن الثقافة العربية، مثل أية ثقافة، كانت مضطرة للتفتح على ثقافات أخرى، وما كان بإمكانهما أن تدرك ذاتها إلا عبر آخر، وأن العرب عرفوا حركة واسعة للترجمة أطلعتهم على ثقافات أخرى. يردّ كيليطو على هذا الاعتراض بأنه رغم ما عرفته حركة الترجمة في الثقافة العربية الكلاسيكية، فإن العرب «كانوا ينظرون إلى الترجمة كعملية تتّم من جانب واحد، عملية تنطلق من اللغات الأخرى (الفارسية، اليونانية، السريانية) إلى العربية، أما العكس فلم يكن على الأرجح ليخطر لهم ببال». فلم يكونوا يرون أن شعرهم يجوز عليه النقل وهذا ما نجده مسطراً عند الجاحظ، «لأن الشعر متى حوّل تقطّع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجب فيه».

فالعرب لم يكونوا يخاطبون إلا قراء يتقنون العربية، والترجمة الوحيدة التي كانوا يتصورونها هي الشرح والتعليق والحاشية، أي ترجمة داخل اللغة نفسها.

لذا فهم لم يكونوا يتصورون الترجمة إلا داخل الأدب العربي، بل إن كيليطو يذهب أبعد من ذلك ويرى أن القدماء عمدوا إلى ضرب الحصار على ثقافتهم.

ولم يكتفوا بنبذ الترجمة من تفكيرهم بل حرصوا عن غير عمد إلى جعل مؤلفاتهم غير قابلة للتحويل، فطوّروا أساليب تستعصي على النقل.

الانغلاق

ويرى بنعبد العالي أننا إن كنا لانستطيع أن نؤكد ما يذهب إليه كيليطو هنا، فإن بإمكاننا أن نجزم أن هذا الحرص المفترض يتضمن أكتراثاً بآخر، والحال أن ما طبع الثقافة العربية الكلاسيكية بالضبط هو غياب هذا الاكتراث، أي الاقتناع بأن الأدب العربي مكتف بذاته «لا يهّم في مجمله إلا العرب».

هذا الاكتشاف الذاتي وهذا الانغلاق سينفجر ابتداء من القرن التاسع عشر بحيث إن «شيئا ما سيتغير في العالم» جغرافياً وتاريخياً، وسيتحول الزمان الثقافي العربي وسيتبدل جدوله وستتغير معالمه، وسيصبح العرب في حاجة إلى لغة أخرى غير لغتهم، فبينما لم يكن الجاحظ بحاجة، إلى لغة غير العربية، فإن أحمد فارس الشدياق سيدرك أن لا بد له من معرفة لغة بل لغات إفرنجية، وعندما سيتبين أن الأدب العربي غير قابل للترجمة، وأنه لا يهمّ في مجمله إلا العرب، وإنه «خارج فضائه المعهود ليس للأدب العربي انتشار ورواج، بل ليس له وجود إطلاقاً، فإن ذلك سيكون بالنسبة إليه «صدمة اكتشاف مرير»!.

هنا لم يعد من الممكن للثقافة العربية أن تدرك نفسها إلا بالخروج عن ذاتها، بل إنها لم تعد قادرة أن تنظر إلى عهدها الذهبي الا كفترة كلاسيكية، ولم تعد قادرة أن تنظر إلى ماضيها وحاضرها ومستقبلها إلا عبر حاضر الإفرنج «تستشف مستقبل العرب في حاضر الإفرنج». مجمل القول إنها أصبحت لا ترى ذاتها إلا في مرآة الآخر.

الترجمة أسلوب حياة

حينئذ لم تعد الترجمة بالنسبة إليها نقل لغة إلى لغة أو أدب إلى أدب. إنها لم تعد مجرد نشاط فكري، وإنما غدت أسلوب حياة وممارسة. لقد أصبحنا نقيم ترجمات ومقارنات موازنات كيفما كانت الظاهرة التي نصفها، كما صار لا معنى لما نكتبه ونقرأه إلا في ترجمته. إننا أصبحنا نكتب لكي نترجم بل إن منا من يكتب أولاً بغير العربية، كي يعمل هو فيما بعد على ترجمة ما كتب (يقول كيليطو إن بعض الروائيين العرب يكتبون وهم يفكرون في مترجمهم المحتمل!) وهكذا أصبحنا لا نقرأ أدبنا (ولا نكتبه) إلا مترجمين مقارنين موازنين «فليست المقارنة وقفا على بعض المتخصصين، وإنما تعم كل من يقترب من الأدب العربي، قديمه وحديثه «أقصد أن القارئ الذي يطلع على نص عربي سرعان ما يربطه بصفة مباشرة أو غير مباشرة بنص أوروبي إنه مقارنة ضرورة، أو إذا شئنا مترجم». وهكذا حين نقرأ حي بن يقظان يشرد ذهننا صوب روبنسون كروزوي، والمتنبي فيشرد صوب نيتشه، ورسالة الغفران فيشرد جهة الكوميديا الإلهية واللزوميات فيشرد جهة شوبنهاور، ودلائل الإعجاز فيشرد جهة ديكارت، وويل للمؤلفين الذين لا نجد من يقابلهم عند الأوروبيين!.

التقليد الجديد

يردّ كيليطو هذه «البدعة» إلى الثقافة العربية الراهنة ذاتها: «لقد أبدعنا نحن العرب طريقة خاصة في القراءة. نقرأ نصاً عربياً وفي ذهننا نصوص من الأدب الفرنسي أو الانجليزي أو الإيطالي». لا مجال هنا للتساؤل عن مصدر هذه التقليد الجديد وعن العوامل التي أدت إلى تكريسه.

وحول النقد والعمل الأدبي قال: لقد ألفنا أن ننظر إلى العمل الأدبي من خلال ميتافيزيقا الذاتية والإرادية وفلسفة الوعي والمباشرة والنزعة السيكولوجية والأخلاقية ونرى فيه عمل النجوم «والقمم» ونتيجة الإبداع فننتقل من النصوص إلى النفسيات، وننظر إلى القصيدة على أنها تعبر عن نفسية الشاعر مغفلين عمل هذا النوع أو ذاك. وبهذا تحول النقد عندنا إلى دروس تحاول أن ترسخ قيما ثابتة مألوفة وأصبح الناقد واعظا أخلاقيا يلعب دور الموجه، ويعرض للكاتب النماذج التي يجب اتباعها. لقد تحول إلى صيرفي يميز القطعة الجيدة من المزيفة، والأنواع النبيلة من الأنواع السوقية. إن النقد هنا يصغي إلى صوت الأخلاق والعقل الذي يتكلم من خلاله، بل إنه هو الذي يحاول أن يصدر ذلك الصوت ويتبناه.

كتاب عبدالسلام بنعبد العالي الذي يراجع فيه أفكاراً أساسية في كتب زميله عبدالفتاح كيليطو يقدم صورة وافية عن اهتمامات كيليطو الأدبية والنقدية وضمنا صورة وافية عن التقدم الذي أحرزته الدراسات والأبحاث الأدبية في المغرب. وهو تقدم نفتقد إليه نحن المشارقة ولعل السبب هو غياب اللغات والمناهج الأجنبية عندنا وتوفرها في المغرب. ولعل أول من يفترض بهم الاطلاع على هذا الكتاب، وعلى الكتب المغربية التي تقع في بابه، هم طلاب كليات الآداب العربية وأساتذتها وذلك بسبب تراجع اللغة الأجنبية في جامعاتنا وبقاء مناهجنا وبرامجنا للتدريس على النحو الذي كانت عليه زمن المرصفي أستاذ طه حسين في بداية القرن الماضي.