بقلم - نورالدين ازرراد :

مما لا نختلف فيه نحن العرب أو الأتراك، السياسة الناجحة للحزب الحاكم بتركيا بقيادة الرئيس أردوغان، فبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة، تغيّرت مجريات كثيرة في البلد وفي جميع القطاعات كالتعليم والصحة، ومن ذلك اعتقالات وإعفاءات، واجهت أتباع فتح الله جولن الذي نسبت له تركيا المحاولة الانقلابية، في ليلتها أعلنت قنوات فضائية لدول عربية، سقوط النظام التركي وفشله وحرّضت المشاهدين والرأي العام رغم ضبابية المشهد والخبر، وخرجت عن حيادها وكشفت عداءها للجار وإن كان بعيداً، بل أكثر من ذلك فعندما تجلّت الحقيقة وفشل الانقلاب، ولله الحمد، أظهرت شكوكاً حول حقيقة الانقلاب ووصفته بالمفبرك والمصطنع آخذة بعين الاعتبار إجراءات سبقت الحدث.

إن هذه المعطيات مهما كانت حقيقتها، فإن التاريخ يشهد على خروج الشعب التركي للشارع في مواجهة الدبابات والجنود المنشقين عن النظام، رافضين التغيير في مسار تركيا الحالية، ومتطلعين لتحقيق رؤية مستقبلية واعدة أو ما يُعرف بالدولة المعاصرة بأفق 2030، تجعلك تتحسّر على حال الدول المنتقدة، فاليوم المنطق العربي بما يحمله من معاني الفشل والتخلف غير مقبول ولا يعتبر معياراً للحداثة.

إن تفوق الرئيس رجب طيب أردوغان يثير مخاوف عديدة لدى بعض دول الغرب، بعضها حضاري وبعضها سياسي وبعضها اقتصادي، كيف لا؟ وما شهدته تركيا من قفزة نوعية من المركز الاقتصادي (111) إلى (16) بمعدل عشر درجات سنوياً، ما يعني دخولها إلى نادي مجموعة العشرين الكبار بالعالم (G-20)، كما سدّدت عجز الميزانية البالغ 47 ملياراً للبنك الدولي، لترتفع الرواتب وأجور الموظفين المبتدئين من (340) ليرة إلى (957) ليرة تركية.

السياسة الاقتصادية في البلد بالآونة الأخيرة عرفت تراجعاً لليرة وتقلباً في العلاقات الدولية وصادفها تحوّل واسع في السياسة الخارجية التركية منذ عام 2012 كمؤشر على نهج تدريجي لقوة إقليمية، مستعدة للتدخل الأمني والعسكري والردع بالتنسيق مع حلفائها. وقد تطور ذلك في خضم تفاقم المشاكل، لا سيما زيادة التوترات مع دول في المنطقة عجل بضرورة تجديد النشاط الدبلوماسي بطرق مباشرة، أو غير مباشرة، من خلال توسيع الأعمال التجارية عبر القارات وفتح الجامعات أمام الطلبة الأجانب.

اعتمدت تركيا في سياستها الخارجية في عهد حزب العدالة والتنمية نظرية العمّق الاستراتيجي للدكتور أحمد داود أوغلو، سعياً إلى إخراج تركيا من دورها الهامشي أثناء الحرب الباردة ونقلها إلى بلد محوري ومؤثر دولياً، فهي في مركز صراع دولي على مصالح حيوية، ولا يمكن للقوى الكبرى أن تتجاهل الدور التركي في أي تصوّر تضعه بالمنطقة، فانسحاب أمريكا من العراق كان لابد له من ترتيبات مع تركيا، كذلك روسيا وتحرّكاتها بالقوقاز لابد من ترتيبات مع تركيا، الأزمة السورية والقوى الدولية المتدخّلة فيها لابد من تنسيق وترتيبات مع تركيا، وهكذا أصبحت حاضرة في كل الأزمات بما فيها القضية الفلسطينية والأزمة الخليجية كوسيط لإنهاء الأزمة، هذا التوجّه الاستراتيجي الناضج فتح علاقات جديدة، أنهت حالة العداء مع أرمينيا، ومهّدت لأمال كبيرة بالعالم الإسلامي خصوصاً بعد تعثر متكرّر للمفوضات بانضمامها للاتحاد الأوروبي.

- المغرب