بقلم - عبدالحكيم عامر ذياب:

لَا أعتقدُ أنَّ لدينَا القدرةَ علَى مُواجهةِ مُخطّطٍ أمريكيٍّ، أَو حتّى صهيونيٍّ، أو حتّى مُخطّطٍ ذاتيٍّ، وكلُّ مَا نستطيعُ أنْ نقنعَ أنفسَنَا به أنَّنا أصحابُ الانتصاراتِ وأنَّنا قاهرُو العدوِّ، وأصبحتِ الشّعاراتُ الّتي تحملُ ثورةً، وصبْراً وقوّةً هِي خياراتُ المرحلةِ العنيدةِ الّتي نعيشُ فِيها، لكنَّنا اكتشفْنَا بعدَ عُمُرٍ طويلٍ أنَّنا أمامَ كذبٍ حزبيٍّ، وفصائليٍّ، وأنَّهم مَن فازُوا بكلِّ ما يُريدُونَ كَمَا رسمتْ لغة المصالحِ والإيراداتِ لهُم الكَلِمات، لنجدَ أنْفسَنا أمامَ هواءٍ لا لونَ لَهُ ولَا رائحةَ، ولا تأثيرَ، وفقدْنا سطورَ التّاريخِ منذُ زمنٍ، وهذَا مَا استغلّتْه إسرائيلُ للأسفِ حينَ فرّقتْ صفوفَنا بدهاءٍ، ورسمتْ شكلَ الانقسامِ كيفَما شاءتْ، بلْ ساومتْ علَى انقسامِنا، وراهنتْ عليهِ، ونجحتْ فيهِ، وأشعلتِ النّارَ بينَ الفلسطينيّينَ وتنصّلتْ، حتّى جرّتْنا لمُربّعِ الأزمةِ غيرِ المعقولةِ الّتي وصلْنا إليهَا.

لكنّ الحقيقةَ أنْ لا خلافَ بينَنا علَى أنَّ أمريكا وإسرائيلَ تُعلنانِ الحربَ الباردةَ علينَا، وموقفُهما واضحٌ تُجاهَ تنفيذِ ما يُسمّى بصفقةِ القرنِ التي ستُنهي تاريخَ منظمةِ التّحريرِ الفلسطينيةِ، وهذَا ما أثبتَهُ قرارُ الإدارةِ الأمريكيةِ اليومَ بإغلاقِ مكْتبِها فِي أمريكا، وسنسمعُ قريباً أنّها سحبتِ الاعترافَ بالممثلِ الشرعيِّ والوحيدِ للفلسطينيّينَ، وكأنّها تضربُ كلَّ الشرعيّةِ الفلسطينيّةِ في عرضِ الحائطِ، ويبقَى السؤالُ فِي حالةِ التّوهانِ الذِي نعيشُهُ، إلى متَى سنبقَى نقبلُ فِي غطرسةِ الاحتلالِ وداعمِها أمريكا، كونُها أهدتِ العاصمةَ الفلسطينيّةَ (القدسَ) لإسرائيلَ دونَ وجهِ حقٍّ، ودونَ أيِّ ردةِ فعلٍ عربيّةٍ أو إسلاميّةٍ، أو حتّى فلسطينيّةٍ.

واليومَ نقفُ أمامَ تهديداتٍ جريئةٍ لإسرائيلَ فِي إعلانِ الحربِ، وهذا مَا أعلنَ بهِ فريدمان فِي أكثرَ مِن مقامٍ، بلْ تجاوزَ حينَ شتَمَنَا، وأهانَنَا، وكأنّه يتحدّثُ بمنطقِ قوةٍ، وكأنَّ تاريخَ شعبٍ قدْ ذهبَ هدراً، وهُو مَن يتصدّرُ موقفَ القوةِ الآنَ، وهذا ما مكّنَه منهُ العربُ، ثمّ انقسامُنا اللعينُ، ولأنّنا شعوبٌ اعتادتْ أنْ تخافَ، وهذَا مَا تمارسُهُ إسرائيلُ اليومَ، لأنّها اعتادتْ عليهِ منْ طباعِ العربِ، حتّى يبقَوا خانعينَ، وغيرَ مبالينَ لكلِّ تلكَ التّجاوزاتِ، وهلْ يعنِي هذَا أنْ تُؤكلَ أبلُنا ونحنُ ننتظرُ؟ ثمّ أنْ يُباركوا خُطى إسرائيلَ بصمتٍ؟ إلى أيّ حالٍ وصلْنا ؟!!.

حقوقُ اللاجئينَ تُستنْزفُ، وحقُ العودةِ ينتهِي، وشرعيّتُنا تُغتالُ، وأمريكا تعمّقُ ذلكَ، وتؤكّدُ عليهِ، بلْ تعلنُ عداءَها لحقوقِنا بشكلٍ واضحٍ وسافرٍ، ولا تتراجعُ عنْ كلمةٍ فِي قراراتِها، أو حتّى لا تتخذَ قراراً أو موقفاً لما يمارسُ ضدّنا، وهذَا السّلوكُ السّياسيُّ الّذي تتّخذُهُ مَا اتّخذتْه إلّا لأنّها واثقةٌ أنّ موقفَنا أضعفُ مِن أيِّ وقتٍ قدْ مرّ علينَا، حتّى قَبل أنْ نمتلكَ سلطةً، ودولةً، ولهذَا مَا كانَ علينا إلّا أنْ نتعجبَ مِن إصرارِ الجميعِ علَى إبقاءِ حالةِ الانقسامِ التي تتفشّى فينَا، وداخلَنَا، ونتعجبَ أكثرَ أنّنا مَن يصرُ علَى ذلكَ، وكأنّ مصلحةَ الإيراداتِ فاقتْ مصالحَ الوطنِ الجريحِ، لكنّها السياسةُ، وعلمُها الخبيثُ.

هِي السّياسةُ الّتي سمحتْ بإيقافِ تمويلِ الأونروا، وهِي السّياسةُ التي تريدُ أنْ تخلُقَ حالةَ الأزمةِ الاقتصاديّةِ، وتريدُ لوكالةِ غوثِ وتشغيلِ اللاجئينَ أنْ تغرقَ أكثرَ فِي عجزٍ لتعلنَ استسلامَها مِن تقديمِ المعوناتِ والإيفاءِ بالتزاماتِها لملايينِ اللاجئينَ الّذين صنّفتْهم إسرائيلُ فِي قانونِها، أنّهم الذين غادرُوا منذُ أكثرَ مِن 60 عاماً مضتْ مِن أراضِيهم ومدنِهم وقراهُم، دونَ الاعترافِ بأجيالٍ وُلدتْ فِي غربةٍ، وهجرةٍ قسريةٍ، وإجباريةٍ، وهذَا ما أعلنتْ تبنيَه الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيّةُ دونَ أدنى حقٍ، بلْ أعطتِ الحقَ لنفسِها أنْ تكونَ وسيطاً منذُ عقودٍ، ثمّ تحولتْ لتتلقّى تعليماتٍ وأوامرَ مِن اليمينِ الإسرائيليِّ.

لكنّ الأمرَ لا يتوقفُ هنا، مضى فوقَ أعمار أعمارِنا، ونحنُ نعلمُ أنّ أمريكا عدوٌّ، ولم يصدمْنا ما تفعلُ، أو قد تفعلُ، بدءاً مِن وعدِ بلفور، انتهاءً بقرارِ الإدارةِ الأمريكيةِ بنقلِ السّفارةِ، وهذَا ما يشهدُه التّاريخُ مِن تراثِنا، وقصصِ أجدادِنا، وقناعاتِنا التي تربّينا عليهَا، ومِن ثورتِنا، وكتاباتِنا على الحوائطِ، وجدرانِ المخيمِ، وهذَا ما بقِيتْ تردّدُه منظمةُ التحريرِ وفصائلُها.

نحنُ أمامَ عبثٍ علِقْنا بِهِ بأيدينا، حتّى وصلْنا لقمةِ الوهْنِ، والضَّعفِ، حتّى ما عُدْنا نستنكرُ التدخلَ العربيَّ والدوليَّ السّافرَ فِي شؤونِ دولتِنا، ولاجئينَا، وأسْرانا، ووطنِنا، وأرضِنا، حتّى تحوّلتْ قضيتُنا إلَى قضيةٍ إنسانيّةٍ، وكأنّنا لا نرقَى لمُستوى سلطةٍ، وفصائلَ، وقُوى على أرضِ الواقعِ، وعلينَا أنْ نعترفَ أنّنا فشلْنا وتجرّأَ العالمُ علينَا، وانهارتْ أعمدةُ البيتِ الفلسطينيِّ، وقصرِ الياسر أبو عمار، وأصبحْنا نقاد، وكأن لا إرثَ لنا أو رُوحاً، واستسلمْنا لما تريدُ أن تفعلَه أمريكا بنا.لنكونَ أكثرَ تفهُّما وواقعيةً ولنقفَ أمامَ كلِّ تلكَ المُخطّطات، ونخرجَ مِن مستنقعِ الإحباطِ والفشلِ الّذي تلبّسنا وغرقنا فيه لسنواتٍ.

قلتُ سابقاً، وسأقولُ دائماً يجبُ أنْ نُواجه كلَّ ذلكَ بوَحْدتنا، والتمسّكِ بخياراتِ الشّعبِ، وإفشالِ كلِّ المُؤامراتِ بوَحْدةِ الجغرافيا، والشّعبِ، والصّمودِ، والموقفِ، والنّظامِ، ولنشتم الْانقسامَ، ولنضئْ شموعَ الوطنِ، ونطفئْ الانكسارَ، والظلامَ، ولنقفْ أمامَ كلّ مخططاتِ الاحتلالِ.

 

كاتب فلسطيني