بقلم : سمير عواد (مراسل الراية في برلين ) ..
باستلام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، رسمياً استضافة دولة قطر مونديال كرة القدم 2022، قال العالم «وداعاً روسيا.. هالو قطر»، بمعنى أوضح: إن العالم بدأ ينظر إلى قطر بدءاً من أمس الأحد إلى انعقاد مونديال كرة القدم 2022 على أرضها، وهي بذلك تدخل مرفوعة الرأس كأول بلد عربي مسلم، يستضيف أهم حدث رياضي على الإطلاق وليس هذا فحسب.

يتفق المراقبون والمعلقون على أن التأكيد العالمي على انعقاد مونديال كرة القدم 2022 في قطر، عبارة عن صفعة على وجوه دول الحصار، وسوف يربكها أكثر، لاسيما أنها كانت ولا زالت تسعى علناً وخلف الكواليس مستغلة علاقاتها الاقتصادية مع دول العالم، لهدف وضع العراقيل أمام قطر التي أصبحت في هذه الأثناء أهم بلد في العالم يعني بشؤون الرياضة.

وشيء آخر هو أنه لو صدق العالم ادعاءات وأكاذيب دول الحصار واختلاقاتها التي ترمي إلى الإساءة لقطر قيادة وحكومة وشعباً، لما رحب أبداً باستضافة قطر مونديال 2022 وينظر له منذ اليوم بتشوق، مثلما فعل الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، الذي رفضت بلاده الافتراءات التي أتى بها عادل الجبير وزير الخارجية السعودي إلى برلين ليقنع الألمان بها وعاد خائباً من حيث أتى، عندما تمنى لقطر التوفيق في استضافة المونديال، وذلك في لقاء تم أخيراً بينه وبين سعادة الشيخ سعود بن عبدالرحمن آل ثاني، سفير الدولة لدى برلين، الذي رد المجاملة وطيب من خاطر الرئيس الألماني عندما تمنى لمنتخب ألمانيا حظاً أفضل في مونديال قطر، ومئات الألمان من مسؤولين ورياضيين وفنانين وإعلاميين وجيران سفارتنا في العاصمة الألمانية، الذين كانوا يتوافدون على المركز الثقافي القطري فيها، الذي بات منارة للتعريف بقطر من كافة النواحي، ويشاهدون مباريات البطولة ويستمتعون بالضيافة القطرية.

ويعرف الجميع أن فوز قطر باستضافة مونديال 2022 لم يكن وليد صدفة أو بدون تحديات. فقد دخلت قطر المنافسة أمام الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. لكن قطر استخدمت قوتها الناعمة لحسم المنافسة ضد المنافسين الأشداء.

ففي الكلمة الختامية أمام أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا في ديسمبر 2010 في زيوريخ، خاطبت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر ضمائرهم وهي تحثهم على تأييد الطلب القطري، عندما قالت لهم: عام 1930 منح الفيفا شرف التنظيم لأمريكا الجنوبية، ثم جاء دور دول أمريكا الشمالية من خلال استضافة الولايات المتحدة الأمريكية نسخة 1994 أول مرة، ثم فوضتم إلى آسيا فرصة إقامة كأس العالم عام 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، وجاء أخيراً دور القارة الإفريقية من خلال إقامة نسخة 2010 في جنوب إفريقيا. ورأت سموها أن الفيفا من خلال تنوع اختيار مناطق العالم ومنحها فرصة استضافة المونديال، ساهم في تغيير مجرى التاريخ وكانت كرة القدم وسيلة لتحقيق هذا الأمر. وخلال قيام سموها بتسليط الأضواء على الجوانب الإنسانية لملف قطر وحديثها عن التأثيرات الإيجابية التي يمكن أن تُحدثها إقامة الفعالية على أرض قطر طرحت سموها السؤال المدوي: متى بالنسبة إليكم سيأتي الوقت لكي ينظم الشرق الأوسط كأس العالم ؟

وسرعان ما استجاب القدر فبعد فوز قطر عن جدارة واستحقاق باستضافة مونديال 2022، مرت سنوات قليلة استيقظت الشعوب العربية من سباتها وتجاوبت مع نسائم الربيع العربي، وبدأت أنظمة مهترئة تنهار مثل حجارة الشطرنج، في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا، وسقطت الأقنعة عن وجوه الحكام الاستبداديين، ووقفت قطر في الجانب الصحيح من التاريخ، وإلى جانب الشعوب العربية في نضالها من أجل التحرر من العبودية والعيش في كرامة وديمقراطية.

وكان واضحاً أن قطر سوف تتحمل أثقال سياساتها الشفافة التي تميل إلى جانب الشعوب المستضعفة وليس لجانب الحكام الاستبداديين. لهذا فإن الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر، براً وبحراً وجواً، عبارة عن انتقام أنظمتها من قطر، لما قدمته من تضحيات للشعوب العربية في نضالها من أجل كسر قيود العبودية والحصول على حقوقها. وكان يمكن لقطر التي منّ سبحانه وتعالى عليها بالرزق أن تعيش برفاه وتغلق أبوابها على نفسها، لكن المنطق يقول كيف تستطيع العيش في قصر وأنت محاط بالشعوب الفقيرة المحرومة من أبسط حقوقها.

إن استلام صاحب السمو ، رسمياً استضافة مونديال قطر 2022، هو صفعة قوية على وجوه دول الحصار، وتعبير عن رفض العالم لاستمراره، بغض النظر عن كونه غير مشروع ويُشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان. كما أن ذلك سوف يرتد سلباً على دول الحصار لأن العالم سوف يهتم منذ اليوم بقطر أكثر من أي وقت مضى، وسوف يبدأ بالتساؤل عن استمرار الحصار دون أسباب مقنعة وبالذات من قبل بلدان استبدادية لها باع طويل في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، وسوف ينبهر العالم بما حققته قطر من اكتشافات لقوتها وهويتها قبل أن ينبهر بأفضل مونديال لكرة القدم عام 2022.